الوقت لخروجها من الجنة، بدت لهما سوآتهما ـ أي عوراتهما ـ فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وذلك يدل على أن طبيعة الإنسان الأول ـ آدم أبو البشر ـ تنفر من إكتشاف السوأة"العورة"وعلى أنهما حين كانا في الجنة كان عليهما ما يسترهما، والجنة هي الدار المثلي، فلو كان الأمثل بالإنسان أن يتعري فيها لكان آدم وزوجه فيها عاريين. ثم جاء في هذه السورة أيضاّ قوله تعالى: ـ
"يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ" (الأعراف/26) .
ومعني إنزال اللباس الذي يواري السوآت، والريش الذي هو زينة زائدة علي ذلك ومتاع فوق السترة: أن الله تعالى هيأه للإنسان، ووجهه إليه منذ القدم، وجعل في طبيعته وفطرته إستحسان وإتخاذه والتفرد به عن الحيوانية البهيمية، تلك المظاهر التي أجملها القرآن الكريم في قوله تعال: ـ"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" (الإسراء/70) وجاء الإنزال بمعني التهيئة والتمكين في غير هذا الموضع أيضًا، ومن ذلك قوله تعالى: ـ"وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ" (الحديد/25)
وأما قوله تعال: ـ"وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ" (الأعراف/26) .
فالمراد به تقرير الحقيقة في الجانب الروحي للإنسان، ومقابلة الجانب الجسمي بها، وهو تعبير مجازي أو رد على طريقة المشاكلة إيحاء بأن للناس نوعين من اللباس والزينة، أحدهما: اللباس الحسي الذي يواري السوآت ويبدي المحاسن الجسمية، والآخر اللباس المعنوي الروحي، الذي هو أعلى شأنًا، وأعظم خيرًا من اللباس المادي، وفي كل خير وقد جاء في السورة بعد هذا: ـ
"يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا" (الأعراف/27) .
وتلك إشارة ـ في هذه الآية ـ إلى أن اللباس خير وكمال، ولذلك كان الشيطان الذي هو العدو الأكبر للإنسان، سببًا في نزعه عنهما، وتجريدهما منه، والعدو من شأنه أن يعمل الشر ويدبر السوء لعدوه، وإذن فالشر إنما هو في العري والتجرد.