قوة بالقتال فقامت بين الملوك والجبابرة فدعوا إلى دين الله ودين عيسي بن مريم فقتلت وقطعت بالمناشير وحرفت بالنيران فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخري لم تكن لها قوة بالقتال ولم تطق القيام بالقسط فلحقت بالجبال فتعبدت وترهبت وهم الذين ذكر الله تعالى: ـ"وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ". ا. هـ.
عبد الله بن عباس يفسر الآية
روي ابن جرير وأبو عبد الرحمن النسائي واللفظ له عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان ملوك بعد عيسي عليه السلام بدلت التوراة والإنجيل فكان منهم مؤمنون يقرأون التوراة والإنجيل فقيل لملوكهم ما نجد شيئًا أشد من شتم يشتمونه هؤلاء إنهم يقرأون [1]
"وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" (المائدة /44) هذه الآيات مع ما يعيبوننا به من أعمالنا في قراءتهم فادعهم فليقرءوا كما نقرأ أو ليؤمنوا كما آمنا، فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل، أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها فقالوا: ما تريدون إلى ذلك دعونا فقالت طائفة منهم إبنوا لنا إسطوانة ثم إرفعونا إليها ثم إعطونا شيئًا نرفع به طعامنا وشرابنا فلا نرد عليكم وقالت طائفة نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا، وقالت طائفة: إبنوا لنا دورًا في الفيافي [2] ونحتفر الآبار ونحرث الحقول فلا نرد عليكم ولا نمر بكم وليس أحد من القبائل إلا له حميم فيهم ففعلوا ذلك فأنزل الله تعالى:
"وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا".
والآخرون قالوا: نتعبد كما تعبد فلان ونسيح كما ساح فلان ونتخذ دورًا كما إتخذ فلان وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين إقتدوا بهم. [3]
فلما بعث الله النبي صلي الله عليه وسلم لم يبق منهم إلا القليل إنحط رجل من صومعته وجاء سائح من سياحته، وصاحب الدير من ديره فآمنوا به وصدقوه؛ فقال الله عز وجل:
(1) ـ والمقصود بالطبع أن هذه المعاني والكلمات موجودة في التوراة والإنجيل كما هي موجودة في القرآن.
(2) ـ الفيافي: الصحروات.
(3) ـ تفسير القرآن العظيم (4/ 317) .