الإسلام جاهليّةً وكفرا إذ قال:"أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذْ أكرمكم الله بالإِسلام، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، وألّف بينكم؟ ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارًا، الله الله!!". فالموالاة والمعاداة على النسب والعصبيّة القبليّة جاهلية وكفر، ينقض أصل هذا الدين! فالأصل أن تكون الموالاة في الله، والمعاداة في الله، أي وفقا لرابطة الإيمان. ويؤكّد هذا المعنى قوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام: 14) . فاتخاذ الوليّ من دون الله شركٌ، وإفراده بالولاء هو الإسلام، ويتّضح ذلك من ربط السياق القرآني قضية"اتخاذ غير الله وليّا"بقضية"الإسلام لله وتحريم الشرك"، فاتّخاذ غير الله وليّا - معه أو من دونه - ينافي الإسلام لله وحده، والموالاة والمعاداة في هذا الوليّ شركٌ مخرجٌ من الملّة، سواء كان هذا الوليّ صنما يُعبد أو كاهنا أو رابطة قوميّة يُوالى ويعادى عليها.
وارتباط مفهوم الهوية بمعاني الولاء [1] كما يبدو في هذه الآيات وأسباب نزولها وكما يبدو في آيات أخرى هو ارتباط عميق جدا؛ فقد ذكرنا أنّ من معاني الهوية أنها"محور استقطاب"يميّز الأمة عن غيرها، فإذا ما نازعه أو حلّ مكانه محور استقطاب آخر فإن هذا المحور الآخر يصبح ضمن هوية الأمة وحده أو بالاشتراك مع غيره، وهو بذلك يدخل في معاني الولاء؛ فالوليّ هو المحبّ والصديق والنصير. والولاء: المِلْكُ. ووالى الشيء: تابعَه. ووالى فلانا: أحبّه. ونصره. وحاباه. ("القاموس المحيط"و"المعجم الوسيط"، بتصرف) . ونخلص من ذلك أن الولاء يتضمّن معاني المتابعة والمحبّة والنصرة، وهي من المعاني التي تدلّ عليها الهوية والانتماء بشكل أساسي، فالتماهي مع قوم والانتماء إليهم يعني محبّتهم ونصرتهم ومتابعتهم. فالموالاة والمعاداة تكون بناء على"محور استقطاب"معيّن، سواء كان هو العصبية القبلية أو القومية أو الوطنية أو غيرها. وهذا يظهر جليّا في قصة هذه الآيات، فهي تبيّن كيف أنّ تذكيرهم بيوم بُعاثٍ وإيقاظ العصبيّة القبليّة فيهم من قِبَل اليهودي جعل الولاء القبلي يشكّل محور استقطاب لهم، فتنازعوا وتفاخروا وانقسموا لفريقين كلّ ينتصر إلى فريقه على أساس ولائه القومي معه لا على أساس الرابطة الإيمانية، أي على أساس الهوية القومية لا الهوية الإسلامية. وهو ما يحدث اليوم حين يتفاخر أبناء كل قطر من أقطار المسلمين بالرابطة القومية أو الرابطة الوطنية، ويجعلونها محلّ"الولاء"، حتى يصل الأمر بأن تكون هي راية القتال، وتكون هي محور الاستقطاب للذين يسكنون في هذه الدولة أو تلك، أي تكون هي"الهوية". وكذلك ما يحدث فيما يسمّى"بالوحدة الوطنيّة"، حيث تشكّل هي محور الاستقطاب وتحديد الغايات في بلد من البلدان، مما يُنازع الهوية الإسلامية كمحور استقطاب، أو يصل ببعض الناس إلى نفيها واستبدال الهوية الوطنية بها، على أساس أن"الدين"مجرد علاقة بين العبد والرب محلّها القلب، أمّا علاقات الناس وعناصر التجمّع فلا تحكمها سوى الوحدة الوطنية!
ثمّ يستمرّ سياق الآيات الكريمات في بيان معاني الهوية الإسلامية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ
(1) الوليّ: المحبّ والصديق والنصير. والولاء: المِلْكُ. ووالى الشيء: تابعَه. ووالى فلانا: أحبّه. ونصره. وحاباه. (القاموس المحيط + المعجم الوسيط، بتصرف) . ونخلص من ذلك أن الولاء يتضمّن معاني المتابعة والمحبّة والنصرة، وهي من المعاني التي تدل عليها الهوية والانتماء بشكل أساسي، فالتماهي مع قوم والانتماء إليهم يعني محبّتهم ونصرتهم ومتابعتهم.