الصفحة 14 من 92

إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ. فكأنّه يذكّرهم بحقيقتهم؛ أنّهم"مسلمون".. مسلمون قبل أن يكونوا أوسًا أو خزرجًا: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ ... لا يَعْلَمُونَ} (الروم: 30) .

مسلمون بكيانهم الاختياري الذي يستند إلى رصيد عميق في الفطرة .. وما روابط الانتماء والتجمّع القبلية والقومية والوطنية تلك سوى عصبيّات وروابط ولاء تنافي كونهم"مسلمين".

ثم يستمر السياق، ويأمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يعتصموا بحبل الله ولا يتفرّقوا، وأن يذكروا نعمة الله عليهم إذ كانوا أعداءً فألّف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانا: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (آل عمران: 103) .

الاعتصام:"يُقال: اعتصم به، واستعصم، وتمسّك، واستمسك، إذا امتنع به من غيره [1] ."

وحبل الله:"قال ابن مسعود: حبل الله القرآن. ورواه علي وأبو سعيد الخدري عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وعن مجاهد وقتادة مثل ذلك. وأبو معاوية عن الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:"إن هذا القرآن هو حبل الله"، وروى تَقيّ بن مخلّد حدّثنا يحيى بن عبد الحميد حدّثنا هشيم عن العوّام بن حوشب عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} قال: الجماعة؛ روي عنه و (عن غيره) من وجوه، والمعنى كله متقارب مُتَدَاخِل؛ فإن الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفُرْقة فإن الفرقة هلكة والجماعة نجاة [2] ."

فالأصل ألا يشترك مع الاعتصام بالقرآن وبالإسلام أي معنى آخر، وألا يتفرّق المسلمون وتتنازعهم ولاءات شتى وروابط انتماء وتجمّع شتى غير الإسلام. يقول الشيخ عبد المجيد الشاذلي في كتابه"البلاغ المبين":"وعندما أوشك أن يحدث اقتتال بين الأوس والخزرج على ثارات ودعاوى الجاهلية أخبرهم أنه إذا انتهى وجود الجماعة المسلمة بالتفرق إلى الجماعات العرقية القديمة كان هذا التفرق المطلق كفرا كما أنّ الأحاديث أخبرت أنّ التشبه المطلق بالكفار كفر" [3] .

ويقول الإمام القرطبي في معنى التفرّق:"قوله تعالى: {وَلاَ تَفَرَّقُوا} (يعني في دينكم) كما افترقت اليهود والنصارى في أديانهم؛ عن ابن مسعود وغيره. ويجوز أن يكون معناه ولا تفرقوا متابعين للهوى والأغراض المختلفة، وكونوا في دِين الله إخوانا؛ فيكون ذلك منعا لهم عن التقاطع والتدابر؛ ودل عليه ما بعده وهو قوله تعالى {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} . وليس فيه دليل على تحريم الاختلاف في الفروع: فإن ذلك ليس اختلافا إذ الاختلاف ما يتعذر معه الائتلاف والجمع، وأما حكم مسائل الاجتهاد فإن الاختلاف فيها بسبب"

(1) فتح القدير للإمام الشوكاني، في سياق تفسير الآيات.

(2) الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي، في تفسير الآية.

(3) البلاغ المبين للشيخ عبد المجيد بن يوسف الشاذلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت