استخراج الفرائض ودقائق معاني الشرع؛ وما زالت الصحابة يختلفون في أحكام الحوادث، وهم مع ذلك متآلفون. وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:"اختلاف أمّتي رحمة" [1] وإنما منع الله اختلافا هو سبب الفساد. روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (قال) [2] :"تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فِرقة أو اثنتين وسبعين فِرقة والنصارى مثل ذلك وتفترق أمَّتي على ثلاث وسبعين فِرقة" [3] .
ويحسن بنا أن نبيّن مفهوم"الجماعة"الشرعيّ في الإسلام، لبيان علاقة مفهوم الهوية الإسلامية به، فهُما شديدا الالتصاق ببعضهما، من حيث إنّ الجماعة الشرعية لا تتحقق دون الاجتماع على الإسلام، ودون الانتساب إلى الشرع، وهي من معاني الهوية الإسلامية الأساسية.
في الحديث:"ليأتينّ على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمّه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك. وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة، قال: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي (صحيح الترمذي: حسن) ."
وفي رواية أجابهم بقوله:"هي الجماعة" (أخرجه بن تيمية في مجموع الفتاوى: 171\ 24) .
وفي الحديث:"ستكون بعدي هنات وهنات، فمن رأيتموه فارق الجماعة، أو يريد أن يفرق أمر أمّة محمد كائنا من كان فاقتلوه؛ فإن يد الله مع الجماعة، وإن الشيطان مع من فارق الجماعة يركض" (السيوطي، الجامع الصغير: صحيح) .
ومفهوم الجماعة في الإسلام يدور حول معنيَيْن:
-ما عليه الرسول صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه.
-وجماعة الإمامة التي يقول فيها الإمام الشاطبي:"الجماعةُ راجعةٌ إلى الاجتماع على الإمام الموافِق للكتاب والسُّنة، فما كان خارجًا عن السُّنة - كالخوارج والروافض، وما جرَى مجراهم - فلا يدخُل في وصْف الجماعة" [4] .
فالمعنى الأول يعني الالتزام بما كان عليه الرسول صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه، وقد كانوا لا يجتمعون إلا على رابطة الإسلام، ويدلّ على هذا المعنى نفس الآية: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا} ، فقد كان الأمر بالاعتصام على هيئة"الاجتماع"، وليس مجرد الاعتصام الفردي، ممّا يدلّ على أن الاجتماع على هوية أخرى غير الهوية الإسلامية خروج عن الشرعية التي كان عليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فالتجمّع على روابط القبليّة (كما فعل الأوس والخزرج في الحادثة التي ذكرنا) والتجمّع على القومية والوطنية كروابط عُليا يجتمعُ عليها الناس وينتمون إليها (كما يفعل الناس اليوم) كلّ ذلك يتناقضُ مع المفهوم الشرعي للتجمّع، فضلا عن كونه يعني اتخاذ غير الله وليّا كما بيّنا سابقا.
(1) ليس بحديث (موضوع) ، أو ضعيف. (انظر: الألباني؛ ضعيف الجامع، والسيوطي؛ تدريب الراوي) .
(2) زيادة من عندنا.
(3) الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي، في تفسير الآية.
(4) كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي.