الصفحة 50 من 92

* رفع الالتباس بين مفهوم"الوطن"ومفهوم"الدولة"أو"الكيان السياسي":

ونحبّ أن نشير إلى مغالطة عميقة تدور حول مفهوم"الوطن"عند دعاة الوطنيّة؛ فالوطن عندهم هو ذلك الكيان السياسي الذي تقوم فوقه دولة لها حدود مرسومة دون الالتفات لمن رسم هذه الحدود! فهناك الوطن المصري والوطنية المصرية، والوطن العراقي والوطنية العراقية، والوطن السوري والوطنية السورية، والوطن الفلسطيني والوطنية الفلسطينية، والوطن اللبناني والوطنية اللبنانية .. إلخ ولكن حينما عدنا إلى المعاجم العربية وجدنا الآتي:

-الوَطَنُ: المَنْزِلُ تقيم به، وهو مَوْطِنُ الإنسان ومحلّه (لسان العرب) .

-الوَطَنُ، مُحرَّكةً ويُسَكَّنُ: مَنْزِلُ الإِقامَةِ، ومَرْبَطُ البَقَرِ والغَنَمِ ج: أوطانٌ. وَوَطَنَ به يَطِنُ وأوْطَنَ: أقامَ. وأوْطَنَهُ وَوَطَّنَهُ واسْتَوْطَنَهُ: اتَّخَذَهُ وَطَنًا (القاموس المحيط) .

فالوطن هو محلّ الإقامة؛ أي المكان الذي نقيم فيه ونستوطنه، وهذا ينطبق على المدينة أو القرية أو المنطقة التي يسكن فيها الإنسان ويقيم، وكل ما لم يُقِمْ فيه ويستوطنه ليس بوطن بالنسبة إليه، ولا فرق بين أن يكون هذا المكان الذي لم يقم به هو مدينة واقعة داخل حدود الدولة التي تحكم بلاده أو مدينة تقع خارج حدود تلك الدولة. بل إن الواقع يدلّنا في أحيان كثيرة على إنسان نشأ متنقلا في منطقة معينة، ثم قامت الاتفاقيّات الدولية برسم حدود المنطقة التي كانت وطنا له وتقسيمها إلى قسمين؛ قسم يقع في الدولة"أ"وقسم يقع في الدولة"ب"، فهل مجرد التقسيم وبقائه في الدولة"أ"يعني أن المنطقة التي عاش فيها في الدولة"ب"لم تعد وطنه! وأن الأراضي التي تبعد عنه مئات الأميال في الدولة"أ"أصبحت وطنا له لمجرّد أنّها واقعة في"الدولة"التي تحكم بلاده! إن الدلالة اللغوية والموضوعية لكلمة"وطن"تبيّن خطأ سحب مفهوم الكلمة على الكيان السياسي الذي تشكّل بفعل عوامل مختلفة على أرض تم رسم حدودها واعتبارها"دولة"!

وإسقاط مفهوم"الوطن"على"الكيان السياسي"الذي يحكم البلاد، أو على"الدولة"ذات الحدود المرسومة هو سقوط موضوعي وقع فيه دعاة الوطنيّة، وهو كذلك سقوط على مستوى القيم؛ فالذي رسم حدود معظم الكيانات السياسية وأراد لها أن تكون"أوطانا"ودولا ذات انتماءات خاصة هو الكافر المحتلّ الذي استباح أرض المسلمين، وخصوصا بعد انهيار الدولة العثمانية، التي كانت تجمع أراضي هذه الدول تحت سيادة كيان سياسي واحد، ولم تعرف الأمّة الإسلامية طوال تاريخها فكرة أن يكون لكل إقليم أو منطقة من مناطق الدولة الإسلامية استقلال وانتماء خاص، وأن يكون له كيان سياسي يصطبغ باسمه، مثل: العراق، يكون اسمه"دولة العراق"، وسكانه هم العراقيّون، ولهم انتماء لوطنهم هذا الذي هو العراق. وكذلك: مصر، يكون اسمها"دولة مصر"، وسكانها هم المصريّون، ولهم انتماء خاص لوطنهم هذا الذي هو مصر. فالذي يعيش في"الموصل"لا يسكن كلّ أنحاء العراق حتى تدعى"وطنًا"له، وكذلك"الطنطاوي" (نسبة إلى مدينة طنطا في مصر) لا يسكن كلّ أنحاء مصر حتى تدعى"وطنا"له! لم تعرف الأمة الإسلامية طوال تاريخها انصراف مفهوم"الشعب"أو"الأمة"إلى حيّز جغرافي مرسوم بحدود اصطناعية حتى لو روعيَت فيه اعتبارات البيئة والتسميات التاريخية للمناطق واللهجات والعادات والتقاليد التي تتميّز فيها كلّ منطقة. والواقع أنّ فكرة الانتماء الوطني - باعتبار الوطن كيانا سياسيا مرسوما على مساحة جغرافية - هي فكرة حديثة تشكّلت في عهود الاحتلال في التاريخ الحديث، تأثّرا بثقافة المحتلّ التي حملت مفاهيم الدولة القطرية والانتماء الوطني. ولعلّ ما يذكره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت