الدكتور عزمي بشارة [1] في مقال له بعنوان"بيان قومي ديمقراطي"دليل واضح على اعتراف دعاة الوطنية والقومية أنفسهم بحداثة فكرة"الهوية الوطنية"؛ حيث نشأت في ظلال الواقع الاحتلالي الحديث، يقول الدكتور عزمي:"وشعب فلسطين العربي هو نتاج التفاعل بين الحضارات في أرض فلسطين. وهو شعب الفلاحين وشعب المدن الذي بلور هويته الوطنية في ظل الصراع مع الاستعمار والصهيونية، هذا الصراع الذي أفرزه التقسيم الاستعماري لبلاد الشام" [2] . فالدكتور عزمي يقرّ بحداثة فكرة الهوية الوطنية، التي تشكّل فيها الرابطة الوطنية"هوية"لدى مجموعة من البشر، ويقرّ كذلك بأنّ واقع التقسيم الاستعماري هو الذي أثّر في بلورة هذه الهوية ونشأتها؛ ولذا فهي ليست هويّة أصيلة في الأمة الإسلامية، بل هي هويّة دخيلة تشكّلت بفعل عوامل مختلفة تمّ ذكرها سابقًا [3] .
بل إنّ الواقع يدلّ على أنّ بعض المناطق أو الولايات تمّ تقسيمها إلى أكثر من"قطر"وأكثر من"وطن"؛ كالشام التي قُسّمت إلى سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، والذي قام بتحديد هذه التقسيمات ورسم حدودها هو الكافر المحتل بُعَيْدَ سقوط الدولة العثمانية عن طريق اتفاقيّاته ومعاهداته، وأبرزها معاهدة"سايكس-يبكو". فواقع الدعوة إلى الوطنية (باعتبار أن هذه الدول والكيانات السياسية هي"أوطان") أنها دعوة إلى إضفاء الشرعيّة على تقسيمات أعداء الله الكفّار في بلاد المسلمين! فالتاريخ يبيّن لنا أن الاستعمار المباشر لم يعد له مكان في العالم الإسلامي والعربي، لأنه يذلّ"الكبرياء القومي"، فتمّت الاستعاضة عنه بفكرة الاستعمار غير المباشر، والذي يكون عن طريق تفتيت وحدة المسلمين وانتمائهم الواحد إلى كيانات شتّى وانتماءات شتّى، بُغية السيطرة عليهم بواسطة حكّام عملاء يتم نصبهم وتوطيد العلاقات معهم، فاللقيمات الصغيرة سهلة الازدراد بعكس اللقمة الكبيرة! وقد بيّنا هذا السياق التاريخي النكد لتفتيت وحدة المسلمين ومحاولة طمس الهوية الإسلاميّة في فصل سابق، ونقتبس بيانا جيّدا حول ذلك للشيخ الدكتور غازي التوبة من مقال له بعنوان"الأمة الإسلامية وأخطار القطريّة عليها"إذ يقول:
"لكن وحدة الأمة تتعرض الآن إلى أخطر تهديد على مدار القرون الماضية جميعها، وهذا التهديد جاء من الكيانات القطرية التي تسعى إلى تأسيس ثقافي مستقل بها، مما سيؤدي إلى تقسيم الأمة الواحدة إلى أمم متعددة مختلفة، ولكن هذا التأسيس الثقافي للقطرية مرّ بمرحلتين: الأولى: مرحلة تقسيم الأمة الواحدة إلى أمتين: عربية وتركية وقد جاء ذلك على يد دولة الاتحاد والترقي في عام 1908 م من الجهة التركية وعلى يد الثورة العربية الكبرى عام 1916 م من الجهة العربية، ولم تستطع الثورة العربية أن تجمعّ ما كان متفرقًا، بل فرّقت ما كان مجموعًا في اتفاقية سايكس-بيكو وغيرها، ثم جاء التنظير القومي على يد ساطع الحصري ليرسّخ القطرية ليس لأنه أراد ذلك، بل لأنه جعل الأمة تقوم على عنصري اللغة والتاريخ واستبعد الدين من عناصر تكوين الأمة، وهو في ذلك كان متابعًا النظرية الألمانية، ولكنه نسي أننا لا نستطيع أن نفهم واقع الأمة التي تقطن العالم العربي إلا بالإسلام لأن الإسلام دخل كل تفصيل حياتها الفكرية"
(1) مفكّر قومي معاصر له حضور بارز في المشهد السياسي والاجتماعي القومي العلماني.
(2) من مقال"بيان قومي ديمقراطي"، منشور على موقع التجمّع الوطني الديمقراطي.
(3) أنظر مقال"الخلفية التاريخية لانحراف مفهوم الهوية".