الصفحة 52 من 92

والاجتماعية والاقتصادية والسياسية إلخ ... وأننا إذا أردنا أن ننتقل بهذه الأمة من واقع التجزئة إلى الوحدة فلابدّ من الاعتراف بدور الإسلام في بناء الأمة وتفعيل عناصره، وهو ما لم تقم به القيادات القومية فكان بروز القطرية وترسخها، وصار الظن عند عامة الناس بأن التجزئة هي الأصل والوحدة هي الطارئة، مع أن العكس هو الصحيح. الثانية: مرحلة التأسيس الثقافي المستقل لكل قطر: اتخذ دعاة القطرية عدم التقدم باتجاه الوحدة خلال القرن الماضي حجة من أجل اعتبار الوحدة خيالًا ووهمًا، واتخذوا ذلك أيضًا ذريعة من أجل الترويج للقطرية والتأسيس الثقافي لها والذي تجلّى في عدة عوامل، منها: طباعة كتب المؤرخين الذين تناولوا تاريخ القطر، وإبراز الرحالة الذين مرّوا به وكتبوا عنه، وتعظيم رموز الأدب والشعر المرتبطين به، وتزكية تاريخه السابق على الإسلام كالتاريخ الفرعوني والبابلي والكلداني والآشوري والبربري والسيرياني والفينيقي وإنشاء مراكز ومؤسسات ترعى ذلك التاريخ إلخ ... ويرافق كل ذلك الاهتمام باللغة العامية والاهتمام بالشعر الشعبي والترويج لشعرائه ودواوينهم، والاهتمام بالعادات والتقاليد والفولكلور الشعبي الخاص بذلك القطر وإنشاء المتاحف الخاصة به إلخ ... ليس من شك بأن هذا التأسيس الثقافي المستقل لكل قطر على حدة يتقاطع مع الوحدة الثقافية التي عرفتها الأمة على مدار تاريخها السابق، وهو في حال استمراره ونجاحه فإنه سيؤدي إلى أخطر ما واجهته أمتنا على مدار تاريخها السابق وهو تحويل الأمة الواحدة إلى أمم متعددة" [1] ."

ويقول أيضا في مقال له بعنوان"تهديد هويّة أمّتنا قديما وحديثا":"والأخطر في قضية القطرية هو تحويل هذه الأقطار إلى أمم مستقلة، وهذا ما يعمل عليه الغرب ودعاة القطرية، فهم يؤصلون لهذه القطرية في مختلف المجالات الثقافية والاقتصادية والسياسية ... إلخ، لتصبح هناك أمة أردنية وهناك أمة عراقية وهناك أمة مصرية، وهناك أمة سورية ... إلخ. ولتصبح الحدود القائمة بين هذه الدول حدودًا نهائية، كالحدود بين دولتي فرنسا وألمانيا مثلًا، وهذا ما تراهن عليه المخطّطات الخارجية من أجل إنهاء وجود هذه الأمة الواحدة" [2] .

فواقع الأمر أن تسمية هذه الكيانات"أوطانا"، والدعوة إلى ترسيخ الانتماء إليها عند المسلمين هو إضفاء للشرعيّة عليها، وهي أساسا ساقطة الشرعية؛ فالله سبحانه وتعالى نهى عن التفرّق وكذلك رسوله الكريم صلّى الله عليه وسلّم، كما مرّ معنا في الفصل الأول من الكتاب. وهذه الكيانات إنما هي من صنع المحتلّ الكافر عدوّ الأمة والعامل على تفريقها وإفشال نهضتها، فكيف يجوز للمسلم أن يضفي الشرعيّة عليها مع العلم بأنّه لا شرعيّة لها كما تدلّ النصوص الشرعيّة الحاسمة [3] ؟! وقد يكون من يقطن خارج حدود الدولة التي نسكن فيها شخص"مسلم"، وداخل هذه الحدود يقطن"كافر"، فهل ننتمي إلى كلّ من يقطن داخل هذه الحدود التي رسمها أعداء الأمة لمجرد أنه ولد داخلها، بغضّ النظر عن معتقده ودينه، مسلما كان أم كافرا، ونفضّله في الانتماء على المسلم الذي يقطن خارجها؟! أي خبّل يبرّر هذا

(1) من مقال بعنوان"الأمة الإسلامية وأخطار القطريّة عليها"للشيخ غازي التوبة.

(2) غازي التوبة؛ من مقال بعنوان"تهديد هويّة أمّتنا قديما وحديثا"، منشور على موقع منبر الأمة الإسلامية للدراسات والبحوث.

(3) فإن قيل إنها واقع مفروض علينا ولا حيلة لنا بتغييره الآن، قيل: إن هناك فرق كبير بين عدم الرضا عنها لأنها مخالفة للشرع، وبين الدعوة التي تسبل ثوب الشرعية عليها! فعدم القدرة على تغييرها لا يبرّر ولا يفسّر العمل على ترسيخ شرعيّتها!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت