الصفحة 53 من 92

الأمر؟! وأيّة انتكاسة حلّت بالمسلم الذي يحمل هذا المعيار الزائف؟! بل حتى لو حيّدنا عامل الدين وتعاملنا بمصطلحات من يتحدّث عن الثقافة الواحدة والعادات والتقاليد واللهجات الواحدة التي تكون في دولة معينة وبناء عليها تمّ رسم الحدود، نقول لهؤلاء: إنّ الواقع يدلّنا على أنّ الكثير من الناس الذين يقطنون في دولة معيّنة تكون عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم أقرب إلى سكان دولة أخرى من سكان نفس الدولة، وهذا واقع مشاهد في بعض المناطق، حيث تتقارب اللهجات والعادات والتقاليد بل والأنساب [1] في المناطق الحدوديّة رغم فاصل الحدود، وتتباعد وتختلف مع سكان آخرين رغم أنهم يسكنون داخل حدود نفس الدولة، ولكنّهم بعيدون جغرافيّا وثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم مغايرة. فعلى الرغم من أنّ راسم حدود هذه الكيانات - التي سميّت دولا وأوطانا - راعى وجود بعض الفوارق في اللهجات التي تتميّز بها مناطق معيّنة وتختلف عن غيرها، وبعض الفوارق في العادات والتقاليد، نقول: على الرغم من مراعاة المحتل الراسم للحدود لهذه الفوارق، وسعيه الدؤوب إلى تعميقها وتجذيرها في الأمة الإسلامية فإنّ الواقع لا زال ينضح بأمثلة كثيرة تبيّن خطأ هذه التقسيمات باعتبارات الثقافة واللهجات والعادات والتقاليد، فضلا عن سقوط الشرعيّة عنها كما بيّنا سابقًا.

والخلاصة أنّ مصطلح"الوطنيّة"وإنْ كانَ مشتقّا من كلمة"وطن"، فمعناه الحقيقي وواقعه التطبيقي مغايران تماما لمدلول كلمة"الوطن"، ويحمّلانها ما لا تدلّ عليه لغويّا.

* رفع الالتباس بين مفهوم"الوطنيّة"و"حبّ الوطن":

وهناك من يظنّ أن الوطنيّة هي مجرد"حبّ الوطن"، أو أنّ محبّ وطنه هو بالضرورة"وطنيّ"، والحقيقة أنّه قد جانب الصواب في ظنّه هذا، وذلك لاعتبارين أساسيّين:

-الاعتبار الأول: هو أنّ الوطنيّة - كما بيّنّا سابقا - تحمل في الواقع أكثر من معنى؛ سواء كان في واقع مفهومها كمحور استقطاب وولاء بين جماعة من البشر يجمعهم وطن واحد، أو مفهومها بأنّها تفرض واجبات ومحظورات معيّنة على المواطن [2] ، أو كان في واقع تطبيقها المعاصر من حيث هي نزعة تتّجه إلى اعتبار"الدول"القطرية التي رسمها المحتلّ"أوطانا"، فهذه المعاني كلّها متضمّنة في مفهوم الوطنيّة، على مستوى الفكر والواقع، فلا يصحّ أن نظنّ للحظة أنّها تعني مجرد"حبّ الوطن"فنقبلها! فلسنا نحن من نقرر ما يدلّ عليه المصطلح في الواقع، وإنّما طبيعة هذا المصطلح كما هو في الواقع، وكما نشأ عند من ابتدعه، هي التي تحدّد مفهومه، وطبقًا لذلك تتحدّد شرعيّته من عدمها، وقبولنا له من عدمه.

-والاعتبار الثاني: أنّ حبّ الوطن ليس هو"جوهر"النزعة الوطنيّة كما نشأت واستقرّت وتشكّلت مقتضياتها الواقعية - في المفهوم والتطبيق -، وإنما يُعتبر"حب الوطن"من"التوابع"لنزعة الوطنيّة، لأنّه ليس عاملا رئيسيّا في نشأتها، ولأنّ النزعة الوطنية غير متميّزة بحب الوطن؛ فهو ليس من خصائصها، وإنّما حبّ الوطن دافع فطري مركوز في فطرة الإنسان، وموجود عنده قبل نشوء فكرة الانتماء الوطني والتجمّع على أساس الوطن، بل وقد بيّنت النصوصُ الشرعيّةُ

(1) الرمثا في الأردن، ودرعا في سوريا كنموذج.

(2) سوف نتحدّث عن فكرة"الواجب والمحظور الوطني"ومخالفتها للشريعة في هذا الفصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت