وإنه لمن الواضح أن جميع القوانين الوضعية التي تحكم العالم لا تعرف العقد إلا على أنه بين شخصين على الأقل وهي متأثرة في هذا بالقانون الروماني الذي ورثت عنه هذه القاعدة البالية [1] .
وبالرجوع إلى كتب القانون الإنجليزي نجد أن الشراح يصرحون بأن العقد لا يتصور إلا من إرادتين على الأقل [أن الوعد أو العهد يشتمل - على الأقل - على طرفين أحدهما يصدر والآخر يتلقى فيسمى الأول موجبًا والآخر قابلًا] [2] ويقولون أيضًا: [إن الإيجاب الذي لم يصادف قبولًاليس له أي أثر قانوني] [3] ويلاحظ أننا نرجع إلى كتب القانون الإنجليزي مباشرة لأن شراح القانون العرب لم يتعرضوا - إلا فيما ندر - للقانون الإنجليزي. هذا وقد أخذ بعض شراح القانون في ألمانيا وفرنسا [4] منذ منتصف القرن الميلادي الماضي ينادون بأهمية الإرادة المنفردة كمصدر للالتزام وقد بين هؤلاء الشراح:
(إن القول بضرورة توافق إرادتين لإنشاء الالتزام يسد الباب دون ضروب من التعامل يجب أن يتسع لها صدر القانون فلا يمكن بغير الإرادة المنفردة أن نفسر كيف يستطيع شخص أن يلزم نفسه بعرض يقدمه للجمهور أي لغير شخص معين(كالجعالة في الفقه الإسلامي) وقد يكون الدائن غير موجود في الحال ولكنه سيوجد في المستقبل أو يكون موجودًا ولكن حال بينه وبين القبول حائل بأن مات قبل صدور القبول منه أو فقد أهليته ففي كل هذه الفروض وهي فروض تقع كثيرًا في العمل لا يمكن القول بوجود الالتزام في ذمة المدين إذا حتمنا توافق الإرادتين فالقول بجواز إنشاء الإرادة المنفردة للالتزام يرفع هذا الحرج ... ثم إنه ليس في المنطق القانوني ما يمنع من أن يلتزم الشخص بإرادته فالإنسان حر
(1) يراجع في هذا الوسيط للسنهوري ج 1 ص 1283.
(2) هذه ترجمة بتصرف لما يأتي: [it inviles therefore, two parties at least, one making
(3) وهذه ترجمه لما يأتي: [A promise which has not been accepted is without legeleffect المرجع السابق ص 2.
(4) وأشهرهم من الألمان سيجل ومن الفرنسيين ورمز في رسالة الإرادة المنفردة باريس سنة 1891 انظر نظرية العقد لعبد الرزاق السنهوري ص 186 هامش 1.