في أن يقيد نفسه في الدائرة التي يسمح بها القانون بل إن سلطان الإرادة هنا أشد نفاذًا منه في نظرية توافق الإرادتين، إذ الإرادة المنفردة تصبح قادرة وحدها على إيجاد الالتزام، وهذا أقصى ما يصل إليه سلطانها أما القول بوجوب توافق الإرادتين فبقية من بقايا الأشكال الغابرة التي كانت تحد من سلطان الإرادة. فقديمًا كانت الإرادةلا توجد أثرًا قانونيًا إلا إذا اقترنت بأشكال معقدة ثم اندثرت هذه الأشكال حتى لم يبق منها اليوم إلا النادر وأصبحت الإرادة هي التي توجد الأثر القانوني الذي تتجه إليه فالواجب أن تصل في هذا التطور إلى غايته المنطقية، وأن نقول بأن للإرادة السلطان حتى لو لم يقترن بها إرادة أخرى. على أننا نتطلب رضاء الدائن حتى لا يكسب حقًا بالرغم منه، ولكن هذا الرضاء لا يُوجِد الالتزام، بل إن الالتزام ينشأ بمجرد صدور إرادة المدين) [1] .
ويلاحظ هنا أن شراح القانون الذين نادوا مؤخرًا بالإرادة المنفردة ما زالوا إلى الآن متأثرين بالقاعدة الرومانية البالية وهي أن (العقد هو بين شخصين على الأقل) ولذلك هم ينادون بالإرادة المنفردة كمصدر ثان للالتزام إلى جانب العقد.
هذا وقد تأثير القانون المدني المصري الحالي (الصادر سنة 1948) بنظرية الإرادة المنفردة الجديدة - التي نادي بها بعض شراح القانون الألمان والفرنسيين - فنص في مشروعه التمهيدي على أن المصدر الثاني للالتزام هو الإرادة المنفردة ولكن المشروع النهائي اكتفى بذكر الوعد بجائزة فقط تحت فصل الإرادة المنفردة وألغى النص العام الذي كان مدرجًا في المشروع التمهيدي وبذلك أصبح الوعد بجائزة التزامًا مصدره نص القانون مباشرة (م 162 مدني) وليس الإرادة المنفردة، ويلاحظ أن جميع التشريعات الوضعية في العالم - إلا فيما نذر - لا زالت إلى الآن لا تعرف الإرادة المنفردة كمصدر عام للالتزام وهي من باب أولى لا تعرف بل لا تعرف أبدًا بالعقد بالإرادة المنفردة لأن العقد هو توافق إرادتين على الأقل في جميع تشريعات العالم الوضعية.
5 -مقارنة بين العقد في الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية القديمة والحديثة يظهر منها استقلال الفقه الإسلامي وتفوقه:
(1) نقلًا عن الوسيط للسنهوري ج 1 ص 1284، وما بعدها.