الصفحة 151 من 186

المطلب الثاني

الرضا وما يقترن به من عيوب

89 -رضا العاقدين:

رضا العاقدين هو اتجاه إرادة كل واحد منهما الصحيحة إلى إنشاء العقد وهذا يتضمن العقد بالإرادة المنفردة أيضًا.

والإرادة عند الحنفية لا تكون كاملة إلا إذا وصلت إلى مرحلة الرضا بآثار العبارة المظهرة للإرادة، وأما مجرد اختيار العبارة فلا يكفي، فهم يفرقون بين إرادة التعبير (وهو الاختيار في اصطلاحهم) وبين إرادة الأثر أي الرضا وهو كما يصرح علماؤهم [الرضا امتلاء الاختيار أي بلوغ نهايته بحيث يفضي أثره إلى الظاهر من ظهور البشاشة في الوجه ونحوها] [1] فالرضا يتضمن بالضرورة الاختيار لأن من أراد أثر العبارة التي صدرت منه لا بد أن يكون قد أراد هذه العبارة، ولكن العكس غير صحيح فمن أراد العبارة دون أن يقصد إلى أثرها فقد تحقق عنده الاختيار دون الرضا وهذا مثل الهازل عندهم فإن الهازل اختار العبارة لكنه لم يقصد إلى تحقيق أثرها فهو لم يرض بها [2] ، وقد ترتب على هذه التفرقة بين الاختيار والرضا عند الحنفية وجود قسم للعقد لم يوجد عند سائر الفقهاء وهو العقد الفاسد فإذا تحقق الاختيار بدون الرضا فالعقد عندهم فاسد وأما إذا لم يتحقق الاختيار [ومن باب أولى لم يتحقق الرضا] فالعقد باطل مثل عبارة عديم التمييز فانه لا إرادة له حتى يمكن أن يقال أنه قد اختار العبارة التي صدرت منه، وفي حالة فساد العقد عندهم بسبب تحقق الاختيار وحده فإن العقد الفاسد هنا يقبل التصحيح إذا تحقق الرضا بعد ذلك في الوقت الملائم.

وأما إذا تحقق الرضا فهذا معناه بالضرورة تحقق الاختيار لأنه ما دام قد رضي بالعبارة التي صدرت منه فإنه بداهة قد اختارها. وبذلك يمكن القول بأن الاختيار الذي هو القصد إلى العبارة عند الحنفية هو الصيغة التي هي ركن العقد، ولكن الرضا بالآثار المترتبة على هذه

(1) كشف الأسرار 4/ 502.

(2) فتح القدير 2/ 248، والهداية 2/ 180 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت