الصفحة 29 من 186

إذا اعتبرنا المحل ركنًا في الالتزام المتولد عن العقد طبقًا لاصطلاح القانونيين فمعنى ذلك أن العقد يمكن أن ينشأ بدون معقود عليه ثم بعد ذلك يتولد عنه هذا المعقود عليه وهذا فرض مستحيل قانونًا وفقهًا. ومن أجل ذلك نرى أن قول القانونيين أن المحل ركن في الالتزام وليس ركنًا في العقد غير صحيح ويتناقض مع حقيقة العقد الذي لا يتصور نشوؤه بدون معقود عليه أو محل. فالتراضي ينصب من العاقدين على محل معين ثم هما يلتزمان به طبقًا للقوة الملزمة للعقد، وكذلك في العقد بالإرادة المنفردة في الفقه الإسلامي. هذا ويلاحظ أن الفقه الإسلامي لم يتكلم عن السبب في العقد لأنه مندمج - في هذا الفقه - في كل من التراضي والمعقود عليه فلا بد أن تكون الإرادة صحيحة خالية من نقص الأهلية والغلط والتدليس والإكراه ولا بد من جهة أخرى أن يكون المعقود عليه مشروعًا. فلا حاجة بد ذلك للكلام عن السبب كركن مستقل. فمضمون السبب معروف عند فقهاء الإسلام قبل أن تعرفه القوانين الوضيعة لأن الشريعة الإسلامية سبقت القوانين الوضعية في معرفة رضائيةالعقود، ولم تعرف القوانين الوضعية هذه الرضائية إلا بعد ظهور الشريعة الإسلامية بقرون عديدة. ويلاحظ هنا أن القوانين الوضعية تأثرت بالفقه الإسلامي المالكي الذي انتقل إلى أوربا - مع جيوش المسلمين - عبر بلاد الأندلس ولذلك نجد أن القانون المدني الفرنسي (قانون بابليون) الصادر في سنة 1804 قد تأثر بالفقه المالكي رغم محاولة واضعيه إخفاء هذه الحقيقة ومن مظاهر هذا التأثر الأخذ برضائيه العقود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت