الصفحة 3 من 186

أن كثيرًا من أحكام الفقه الإسلامي قد استفادت منها الشرائع اللاتينية وغيرها من الشرائع عن طريق بلاد الأندلس غربًا والدولة العثمانية شرقًا ودول البحر الأبيض المتوسط جنوبًا وهذا في حد ذاته إظهار للحق وإعلاء لكلمة الله الشرعية وكلمته هي العليا دائمًا.

فهذه الدراسة هي دعوة عملية إلى نبذ القوانين الوضعية وإلى العودة إلى شريعة الله الخالدة وقد أنزل الله تعالى الشريعة الإسلامية صالحة للتطبيق في كل مكان وزمان إلى يوم القيامة ومن أجل ذلك جعل الله تعالى شريعته الخالدة قابلة للتجديد دائمًا، هذا التجديد الذي يتمثل في أمرين:

-الأمر الأول: قابلية الشريعة في كل عصر لإزالة ما يعلق بها من أدران بسبب أهواء البشر وأباطيلهم.

-الأمر الثاني: القابلية للتعرض لكل المستحدثات التي تظهر على مر العصور إلى يوم الدين وإعطاء الحكم الصحيح لكل ما يستجد من وقائع أبد الدهر.

هذا وقد أخبرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهذه القابلية للتجديد وبشرنا بحصول التجديد فعلًا كل مائة سنة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» [1] . فالتجديد لا يقصد منه تغيير الدين لأن التجديد هو إعادة الشيء إلى أصله إذا أصابه القدم فيقال جد الشيء أي صار جديدًا وهو نقيض الخلق والخلق: يقال خلق الثوب أي بلى أي أصابه القدم والتمزق [2] . فتجديد الدين هو إزالة ما علق به من أدران وشوائب بسبب أهواء الناس وأباطيلهم لكي يعود صافيًا كيوم نزل، ويدخل في التجديد هنا التعرض لكل جديد لبيان حكم الشريعة في هذا الجديد فلا يقصد بالتجديد الوارد بالحديث الجريان وراء كل جديد حتى لو خالف نصوص الكتاب والسنة أو خالف مقاصد الشريعة أو خالف التفسير الصحيح للنصوص فمثل هذه الأمور المرذولة مرفوضة تمامًا من الشريعة ولا تدخل بأي حال من والأحوال في مفهوم التجديد الوارد بالحديث آنف الذكر هذا ولقد حبا الله تعالى شريعته الخاتمة بمميزات انفردت بها دون سائر الشرائع حتى تظل صالحة للتطبيق في كل مكان وصالحة

(1) رواه أبو داود والحاكم والبيهقي بسند صحيح.

(2) مختار الصحاح: (جد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت