بقوله: إن هؤلاء قد فاتهم أن هناك قسمًا خامسًا وهو ما أباحه الله سبحانه للمكلف من تنويع أحكامه بالأسباب التي ملكه إياها، فيباشر من الأسباب ما يحل له بعد أن كان حرامًا عليه، ويحرمه بعد أن كان حلالًا له، أو يوجبه بعد أن لم يكن واجبًا، أو يسقطه بعد وجوبه، وليس ذلك تغيير لأحكامه بل كل ذلك من أحكامه سبحانه فهو الذي أحل وحرم وأوجب وأسقط وإنما إلى العبد الأسباب المقتضية لتلك الأحكام ليس إلا، فكما أن شراء الأمة ونكاح المرأة يحل له ما كان حرامًا عليه قبله وطلاقها وبيعها بالعكس يحرمها عليه ويسقط عنه ما كان واجبًا عليه من حقوقها، كذلك التزامه بالعقد والعهد والنذر والشرط وقد قال تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] ، فأباح التجارة التي تراضى بها المتبايعان فإذا تراضيا عن شرط لا يخالف حكم الله جاز لهما ذلك، ولا يجوز إلغاؤه وإلزامهما بما لم يلتزماه كما لا يجوز إلزامهما بما لم يلزمهما الله ورسوله ولا بإبطال ما شرطا مما لم يحرم الله ورسوله عليهما شرطه، ومحرم الحلال كمحلل الحرام، فهؤلاء ألغوا من شروط المتعاقدين مالم يلغه الله ورسوله، وقابلهم آخرون من القياسيين فاعتبروا من شروط الواقفين ما ألغاه الله ورسوله، وكلا القولين خطأ، بل الصواب إلغاء كل شرط يخالف حكم الله واعتبار كل شرط لم يحرمه الله ولم يمنعه منه [1] .
27-رأي الشاطبي من المالكية:
ذهب الإمام الشاطبي من المالكية إلى أن الأصل في العقود والشروط في المعاملات هو الإباحة لا الحظر فهو يقول: [أنه إذ لم يظهر في الشرط في المعاملات هو الإباحة لا الحظر فهو يقول: [أنه إذا لم يظهر في الشرط منافاة لمشروطة ولا ملاءمة فان القاعدة المستمرة في أمثال هذا هي التفرقة بين العبادات والمعاملات، فما كان من العبادات فلا يكتفى فيه بعدم المنافاة دون أن تظهر الملاءمة لأن الأصل فيها التعبد دون الالتفات إلى المعاني، والأصل فيها أن لا يقدم عليها إلا بإذن إذ لا مجال للعقول في اختراع العبادات فكذلك ما يتعلق بها من شروط، وما كان من المعاملات يكتفي فيها معدم المنافاة لأن الأصل فيها الالتفات إلى المعاني دون التعبد والأصل فيها الإذن حتى يدل الدليل عليه] [2] وهذا الرأي يتفق مع
(1) نقلًا عن إعلام الموقعين لابن القيم بتصرف قليل ج 2 ص 26 إلى ص 36 0
(2) نقلًا عن الموافقات للشاطبي ج 1 ص 162 وما بعدها 0