أو خاص في الكتاب أو السنة الصحيحة، وهذا هو الفارق الخطير بين القاعدة الإسلامية وبين مبدأ سلطان الإرادة القانوني وقد ترتب على هذا الفارق الهام أن القاعدة الإسلامية بقيت وستبقى كما هي بإذن الله إلى يوم الدين لا يعتريها نقص أو خلل لأنها ليست قاعدة مطلقة وإنما هي مقيدة بقيود شرعية ترجع كلها إلى الأصل العام في الشريعة وهو العبودية لله رب العالمين فالله تعالى هو المنعم على الإنسان بالحقوق وهو مالكها الأصلي، قال تعالى: {آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ... } [الحديد: 7] .فكل من المال والحق الذي يملكه الفرد إنما هو أصلًا ملك لله وقد استخلفه فيه ليرى ماذا يعمل فيه هل يحسن أم يسيء حتى يتحقق الامتحان الرباني الذي كتبه الله تعالى على البشرية شاءت أم لم تشأ فهذا قدر محتوم من رب العالمين.
ولئن كان مفكرو أوروبا قد استفادوا من الفقه الإسلامي في التخلص من الشكليات الرومانية البالية فإنهم تصوروا - لبعدهم عن التوحيد - أن الإنسان هو سيد الكون وأن إرادته مطلقة وأنه هو المبدع والمنشئ لكل شيء في الحياة الدنيا وفصلوا الدين المسيحي عن الحياة لأنه مفصول أصلًا بفعل كهنته الذين غيروا وبدلوا في كلام الله عز وجل، وقد ترتب على ذلك أن مبدأ سلطان الإرادة المطلق لم يعش طويلًا واضطر أهله إلى تعديله والانتقاص منه.
32-انتكاس مبدأ سلطان الإرادة المطلق:
لقد قام سلطان مبدأ الإرادة القانوني على أساس خاطئ مخالف للواقع فقد زعم أهله كذبًا أن الإنسان هو سيد الكون فاصطدم هذا المبدأ المطلق الخاطئ بسنن من سنن الله عز وجل حطمت منه الكثير وقلصته تقليصًا:
وتفصيل ذلك أنه كان من نتيجة هذا المبدأ المطلق أن أصحاب رؤوس الأموال في أوروبا في القرن التاسع عشر الميلادي أبرموا عقود العمل المختلفة على أساس الحرية المطلقة للعاقد فهو يضع في العقد ما يشاء من الشروط المجحفة بالعمال وهؤلاء مضطرون إلى قبول هذه الشروط لحاجتهم الملحة إلى العمل حتى لا يموتوا هم وذووهم من الجوع وترتب على ذلك أن ساءت حالة العمال في أوروبا إلى درجة خطيرة، فرب المال غير ملتزم بمراعاة صحة العامل فهو يجعله - بموجب العقد - يشتغل خمس عشرة ساعة في اليوم وبأجر