الصفحة 72 من 186

هذا وقد طبقت الشريعة ومن ورائها الفقه هذه القاعدة الحكيمة في نواحٍ شتى من الحياة فنجدها تعمل عملها في حقوق الجوار وحقوق العمال وغيرها من الحقوق.

هذا ولقد كانت الرأسمالية الغربية في الفترة التي تلت الثورة الفرنسية منذ نهاية القرن الثامن عشر الميلادي إلى منتصف القرن التاسع عشر لا تعترف بهذا القاعدة الحكيمة، فلما شاعت الاضطربات الخطيرة في أوروبا كلها بسبب الحرية المطلقة والاقتصار على منع الاعتداء على الحق فقط لم تجد الرأسمالية مفرًا من اللجوء إلى هذه القاعدة الشرعية الحكيمة وأخذت الحكومات الأوروبية تتدخل بين أرباب الأعمال والعمال عن طريق قوانين العمل وتنظيم عقد العمل الفردي ومنع أصحاب رؤوس الأموال من إساءة استخدام حقوقهم قبل العمال فألزمتهم بحد أدنى لأجور العمال وبحد أقصى لعدد ساعات العمل وأوجبت على كل صاحب عمل أن يضع نظامًا لتأمين العمال ضد المرض والعجز والشيخوخة وظهرت في القانون الوضعي ما يسمى بعقود الإذعان وهي التي يكون فيها أحد طرفي العقد أقوى بكثير [1] من الطرف الآخر بحيث يستطيع أن يملى شروطه كيف شاء على الطرف الضعيف والذي تضطره ظروفه إلى الإذعان للطرف الأقوى. وهكذا أصبح مبدأ سلطان الإرادة في القانون مقيدًا بقيود كثيرة بعد أن كان مطلقًا في الفترة التي تلت الثورة الفرنسية كما ذكرنا.

23-مقارنة بين قاعدة حرية إنشاء العقود في الفقه الإسلامي وبين مبدأ سلطان الإرادة المقيد في القانون:

لا يحسبن أحد أن المبدأ القانوني بعد تهذيبه أصبح يماثل القاعدة الإسلامية فالفرق كبير بينهما سواء من حيث الأصل أو من حيث الموضوع.

فالمبدأ القانوني بعد تهذيبه يعتبر انقلابًا خطيرًا في النظام القانوني الذي كان سائدًا في أوروبا وأما القاعدة الإسلامية فهي قاعدة محكومة منذ البداية بعقيدة التوحيد أي بالعبودية لله رب العالمين فمهما ورد عليها من قيود مستحدثة تحقيقًا للمصلحة الشرعية فهي ستظل كما هي لا تمثل انقلابًا في النظام الإسلامي لأنها جاءت منذ البداية مقيدة بهذا القيد الهام

(1) وهذا يرجع في الغالب إلى وجود احتكار قانوني أو اقتصادي يتمتع به الطرف الأقوى بالنسبة إلى سلعة أو خدمة معينة 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت