الصفحة 73 من 186

وهو أن هذه الحرية في إنشاء العقد إنما هي منحة من الخالق سبحانه وتعالى ولا يجوز استخدامها إلا في تحقيق مصالح الناس فإذا تعارضت في بعض الأحيان مع مصالح الناس فيجب على ولى الأمر أن يتدخل لتقييد هذه الحرية في مظانها الضارة وذلك طبقًا للقاعدة الفقهية التي تقرر أن [تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة] [1] والأمثلة كثيرة على هذه الأمور ومن ذلك تقييد الحكومات الإسلامية لعقد الزواج واشتراط إفراغه في عقد رسمي يوثق أمام موظف رسمي مختص بهذه العقود ويسمى المأذون الشرعي في عدد من الدول العربية فإذا اكتفى الزوجان بإبرام العقد الشرعي بدون توثيق رسمي فإن الدعوى لا تسمع بهذا العقد أمام القضاء ووجه المصلحة الشرعية هنا واضح لأنه بعد فساد الذمم وجد في حالات عديدة أن الزوج يلجأ إلى إنكار الزواج بعد أن يكون قد عاشر المرأة سنوات عديدة وأنجب منها فيتركها إلى بلد آخر وينكر الزواج وتضيع الزوجة وأولادها خصوصًا إذا كان الشهود قد ماتوا بعد هذه السنوات، ولذلك رؤي أنه من المصلحة حث الناس على توثيق عقود الزواج بهذه الطريقة. ومن هذا أيضًا ما نراه في هذه الأيام من لجوء ولى الأمر في كثير من بلاد الإسلام إلى تعسير إيجارات الدور والمباني حفظًا لضرورة هامة وهي عدم وجود المأوى للناس بعد أن غالى أصحاب الدور في رفع أسعار الإيجارات، والأصل هنا هو عدم جواز التسعير طبقًا لبعض الأحاديث [2] ولكن قاعدة الضرورات تبيح المحظورات تعتبر من القواعد العامة في الشريعة الإسلامية وهي تقدر بقدرها ولذلك ذهب جمهور الفقهاء من بعض الحنفية والمالكية والشافعية وبعض الحنابلة إلى جواز التسعير في حالة الغلاء باعتباره ضرورة [3] فالفرق - إذن -كبير بين القاعدة الإسلامية والمبدأ القانوني (لسلطان الإرادة) حتى بعد تعديله من الإطلاق إلى التقييد لأن القاعدة الإسلامية

(1) يراجع الأشباه و النظائر للسيوطي ص 134 0

(2) فقد روي عن أنس بن مالك أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن التسعير رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (في البيوع) ورواه أبو داود الإجارة باب التسعير 0

(3) ذهب الإمام مالك إلى أنه يجوز التسعير، وفي وجه للشافعية جواز التسعير في حالة الغلاء وذهب ابن تيمية إلى أنه يجوز للإمام التسعير في حالة البائعين المختصين ببيع سلعة معينة دون سواهم كالطحانين والخبازين. المنتقي شرح الموطأ 5/ 19، مواهب الجليل 4/ 380، ابن عابدين 5/ 256 الأحكام السلطانية للماوردي 256 مجموعة فتاوى ابن تيمية ج 9 مجلد 29 ص 254 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت