الصفحة 90 من 186

بذلك [1] .

وما ذكرناه ينطبق على المثال الآخر الذي ذكره الشافعي وهو البيع مع اشتراط بعض الثمن لآخر فإنه من الصعب هنا اعتبار الغير وكيلًا عن البائع في قبض جزء من الثمن لأنه إذا كان قد أراد توكيل الغير في القبض فلماذا لم يوكله في قبض الثمن جمعيه ولذا قال الشافعي أن هذا وكالة أو إحالة لأن العبارة احتملت معنى باطلًا وهو اشتراط نفع لأجنبي عن العقد فتحول الشافعي إلى معنى آخر صحيح تحتمله العبارة مع عدم الاعتداد بالنية الثابتة بأدلة منفصلة عن العبارة ومما يلاحظ هنا أن هذا التصرف الفقهي الذي لجأ إليه الإمام الشافعي في رفض الاشتراط لمنفعة أجنبي عن العقد مع تحويل التصرف إلى وكالة أو حوالة لتصحيحه هو بعينه نظرية تحول العقد التي أخذ بها القانون المدني المصري الحالي في (م 144) منه والتي نصت على أنه: [إذا كان العقد باطلًا أو قابلًا للإبطال وتوافرت فيه أركان عقد آخر فإن العقد يكون صحيحًا باعتباره العقد الذي توافرت أركانه إذا تبين أن نية المتعاقدين كانت تنصرف إلى إبرام العقد] هذا وقد ذكر واضعو القانون المدني المصري أن أحكام نظرية تحول العقد قد أخذت من القانون الألماني [2] (140 م) والحق أن المصدر الأصلي لهذه الفكرة هو الفقه الإسلامي [3] الذي استفادت منه القوانين الأوروبية الحديثة عن طريق الفقه المالكي والفقه الشافعي في بلاد الأندلس بالإضافة إلى فقه ابن حزم الظاهري.

والذي يهمنا هنا أن نقرر أن قاعدة الاعتبار للمعاني لا للمباني أعم من قاعدة اعتبار ألفاظ الكناية لأن اللفظ قد لا يعتبر كناية كما في المثالين السابقين عند الإمام الشافعي وقد اعتبر الإمام هنا معنى بعيدًا صحيحًا وألغى المعنى القريب المستفاد من ظاهر النص لأن هذا المعنى القريب يجعل العقد باطلًا وتصحيح عبارات العاقدين أولى من إبطالها إذا وجد سبيل مقبول إلى ذلك.

(1) يراجع نهاية المحتاج للرملي 8/ 38.

(2) مجموعة الأعمال التحضيرية - للقانون المدني المصري - 144 م ص 263 وما بعدها 0

(3) وسنرى في حينه إن شاء الله أن نظرية تحول العقد معروفة في المذاهب الفقهية الإسلامية الأربعة وسنعود إليها عند الكلام عن بطلان العقود إن شاء الله تعالى 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت