الصفحة 91 من 186

46-الفرق بين قاعدة الاعتبار للمعاني لا للألفاظ وبين قاعدة تغليب النية على العبارة أو تغليب الإرادة الباطنة على الإرادة الظاهرة:

يوجد فرق كبير - في رأيي - بين القاعدتين على الرغم مما يبدو لأول وهلة أنهما أمر واحد ذلك أن قاعدة الاعتبار للمعاني يقصد بها حالة التعارض بين ظاهر اللفظ (سواء أكان كناية أم غير كناية) وبين المعنى المستفاد من اللفظ فالكشف عن النية هنا يكون من اللفظ ذاته مرتبطًا بغيرة من الألفاظ الواردة بالعقد المراد تفسيره فإذا كان اللفظ فيه غموض وأمكن فهم المعنى من سياق اللفظ أي من مجموع الألفاظ التي تكونت منها العبارة فإن هذا المعنى هو المعتبر دائمًا باتفاق الفقهاء طالما أن هذا المعنى لا يناقض مقتضي اللفظ المستعمل في العبارة وأما إن كان يناقضه مناقضة تامة فإن اللفظ لا يصح عند الفقهاء وذلك مثل التعبير عن البيع بلفظ النكاح أو الزواج، وأما إن كانت المغايرة بين ظاهر اللفظ وبين المعنى المستفاد من سياق اللفظ لا تصل إلى درجة التناقض التام فإن الفقهاء يميلون إلى تغليب المعنى عن طريق فكرة تحول العقد كما رأينا الأمثلة السابقة.

وأما قاعدة تغليب النية على العبارة فهي أوسع من ذلك بكثير لأن مقتضاها البحث عن النية الحقيقية بقرائن منفصلة عن العبارة وهذا على عكس القاعدة الأولى التي تقف عن حد البحث عن النية عن طريق العبارة ذاتها ككل باستلهام المعنى المستفاد من العبارة والذي قد يغاير ظاهر اللفظ ومن أجل ذلك نجد أن الإمام الشافعي أخذ بقاعدة الاعتبار للمعاني وهو يرفض رفضًا قاطعًا في الوقت نفسه - قاعدة تغليب النية على العبارة إلا فيما ورد به النص فقط (كالخطأ والنسيان والإكراه) ولا تناقض في هذا ما دامت القاعدتان متغايرتين ولذلك نجد أن الشافعي يصحح جميع العقود التي يقصد بها التوصل إلى محظور ما دامت العبارة جاءت خالية مما يشير إلى هذا القصد المحظور والحنفية قريبون منالشافعية في عدم الأخذ بقاعدة تغليب النية على العبارة ولذلك فإن عقد المحلل عند الحنفية والشافعية صحيح قضاء ما دام لم يرد في ألفاظه ما يدل على نية التحليل وكذلك في عقد العينة فهم يغلبون العبارة على النية [1] أي الإرادة الظاهرة على الإرادة الباطنة في الاصطلاح الحديث وأما المالكية والحنابلة فهم يأخذون بقاعدة تغليب النية على العبارة ولذلك فإنهم

(1) المجموع للنووي 9/ 277، حاشية ابن عابدين 5/ 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت