الصفحة 92 من 186

يبطلون العقود التي يقصد بها التوصل إلى محظور رغم عدم ذكر هذا المحظور ضمن عبارة العقد ما دامت توجد دلائل منفصلة عن العبارة تثبت هذا المحظور [1] وفي هذا يقول ابن قدامه: [وبيع العصير ممن يتخذوه خمرًا باطل .. إذا ثبت هذا فإنما يحرم البيع ويبطل إذا علم البائع قصد المشتري ذلك إما بقوله وإما بقرائن مختصة به تدل على ذلك .. ولنا أنه عقد على عين لمعصية الله بها فلم يصح كإجارة الأمة للزنا والغناء، وأما التدليس فهو الحرم دون العقد، ولأن التحريم ههنا لحق الله تعالى فأفسد العقد كبيع درهم بدرهمين ويفارق التدليس فإنه لحق آدمي، وهكذا الحكم في كل ما يقصد به الحرام كبيع السلاح لأهل الحرب أو لقطاع الطريق أو في الفتنة وبيع الأمة للغناء أو إجارتها كذلك أو إجارة داره لبيع الخمر فيها أو لتتخذ كنيسة أو بيت نار وأشباه ذلك فهو حرام والعقد باطل لما قدمنا] [2] .

ومن هنا يتضح لنا أن الشافعية والحنفية - على رغم من تصريحهم بأن العبرة للمعاني لا للألفاظ والمباني في العقود - فهم في الوقت نفسه يغلبون العبارة على النية المستترة التي لم يرد بشأنها دليل من العبارة ذاتها، وأما المالكية والحنابلة فإنهم يغلبون النية على العبارة حتى ولو لم يرد بالعبارة ما يدل على النية وذلك إذا ثبتت هذه النية بقرائن منفصلة عن العبارة كما في الأمثلة التي ساقها ابن قدامة ويترتب على ذلك أن قاعدة الاعتبار للمعاني لا للمباني عند الحنفية والشافعية تقتصر على استخراج المعنى من سياق اللفظ فقط ولا يجوز اعتبار المعاني التي لا يتحملها اللفظ وإنما تدل عليها قرائن منفصلة عن اللفظ فهذه قاعدة أخرى وهي قاعدة تغليب النية التي تثبت بكافة الطرق الشرعية على العبارة وهو ما يعرف في الاصطلاح الحديث بمبدأ تغليب الإرادة الباطنية على الإرادة الظاهرة إذا وجدت أدلة على ذلك سواء أكانت هذه الأدلة منفصلة عن العبارة أم مستقاة من سياق اللفظ [3] .

47-التعاقد بالإشارة:

الإشارة لغة هي الإيماء إلى الشيء بطريقة يفهم منها يفهم ما من النطق وهذا الإيماء يكون

(1) شرح منح الجليل على مختصر خليل للشيخ عليش 2/ 477، المغني لابن قدامة 4/ 246.

(2) نقلًا عن المغني لابن قدامة 4/ 245، 246.

(3) وهذا المبدأ سنبحثه عند الكلام عن ركن الصيغة أو التراضي في القانون في موضعه إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت