29 -وعن عبدالله بن عَمرو بن العاص رضِي الله عنهما قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:"كيف بكمْ وبزمانٍ يُوشِكُ أنْ يأتَي يُغَرْبَلُ الناسُ فيه غربلةً، ثم تبقى حُثَالةٌ من الناس قدْ مرجَتْ عُهودُهم وأماناتهم، فاخْتلَفُوا هكذا"، وشَبَّكَ بين أصابعهِ، قالوا: كيف بنا يا رسولَ الله إذا كان ذلك؟ قال:"تأخُذون بَما تعرفون، وتدعُونَ ما تُنْكِرون، وتُقْبِلون على خاصَّتِكم، وتذَرُون أمرَ عَوامِّكم" (رواه أحمدُ وابن ماجه) .
30 -وعن أنس رضِي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:"لِكُلِّ أمَّةٍ أمينٌ، وأمين أمَّتي أبو عُبَيدة بن الجرّاح" (رواه البخاري ومسلم) .
-هذا غيض من فيض من منظومة الأمانة التي غرسها النبي صلى الله عليه وسلم في صحابته الكرام ووضع منهجًا متكاملًا للأمة تسير به على الجادة فلا تزيغ ولا تهلك طيلة التزامها بهذه المنظومة.
رابعًا: منظومة الأمانة عند الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين: كما رأينا أن النبي صلى الله عليه وسلم غرس في صحابته الكرام منظومة متكاملة من الأمانة فترجموا هذه الأمانة ترجمة عملية وتحركوا بها في ربوع الأرض ففتحوا البلاد ودانت لهم العرب والعجم لِما يحملونه من أمانة فتحت القلوب والعقول قبل أن تفتح الحصون. عن أنس رضي الله عنه قال:"قلَّما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا قال: لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" (رواه أحمد) .
-نطرح هنا بعض المواقف والأقوال من حياة الصحابة والتابعين للمثال لا الحصر:-
1 -لما بويع أبو بكر رضي الله عنه بالخلافة بعد بيعة السقيفة تكلم أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:"أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوى فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم".
2 -لَمَّا عزَم أبو بكرٍ الصِّدِّيق رضِي الله عنه على جمع القُرآن، قال لزيد بن ثابت رضِي الله عنهما:"إنَّك رجلٌ شاب عاقل لا نتَّهمُكَ، قد كنت تكتبُ الوحي لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فتتبَّع القُرآن فاجمَعْه".
-والمقصود بكلمة لا نتهمك هنا أي: لا نتهمك في أمانتك ورجاحة عقلك ومراقبتك لله تعالى فيما كُلفت به.
3 -قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: اشتريت إبلا وارتجعتها إلى الحِمى (الموضع الذي يُحمى ويدافع عنه) ، فلما سمِنت قدمت بها، قال: فدخل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - السوق فرأى إبلا سِمانا، فقال: لمن هذه الإبل؟ قيل: لعبد الله بن عمر، قال: فجعل يقول: يا عبد الله بن عمر بخ بخ ابن أمير المؤمنين، قال: فجئته أسعى، فقلت: ما لك يا أمير المؤمنين؟ قال: ما هذه الإبل؟ قال: قلت: إبل أنضاء (ضعيفة هزيلة) ، اشتريتها، وبعثت بها إلى الحِمى، أبتغي ما يبتغي المسلمون، قال: فقال: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله بن عمر، اغد على رأس مالك، واجعل باقيه في بيت مال المسلمين.
4 -عن أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالبٍ رضِي الله عنه قال: رأيتُ عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - على قتبٍ يعدو، فقلت: يا أمير المؤمنين، أين تذهب؟ فقال: بعيرٌ نَدَّ من إبل الصدقة أطلبه. فقلت: لقد أذللتَ الخلفاء بعدَك.