عدا الوسط، فأطراف داخلة تحت الخطر، فجعل الله هذه الأمة، وسطا في كل أمور الدين، وسطا في الأنبياء، بين من غلا فيهم، كالنصارى، وبين من جفاهم، كاليهود، بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك، ووسطا في الشريعة، لا تشديدات اليهود وآصارهم، ولا تهاون النصارى. وفي باب الطهارة والمطاعم، لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، ولا يطهرهم الماء من النجاسات، وقد حرمت عليهم الطيبات، عقوبة لهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئا، ولا يحرمون شيئا، بل أباحوا ما دب ودرج. بل طهارتهم أكمل طهارة وأتمها، وأباح الله لهم الطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح، وحرم عليهم الخبائث من ذلك، فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلها، ومن الأعمال أفضلها. ووهبهم الله من العلم والحلم، والعدل والإحسان، ما لم يهبه لأمة سواهم، فلذلك كانوا {أُمَّةً وَسَطًا} [كاملين] أ ه.
2 -قال تعالى:"إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {90} " (النحل 90) .
أخرج البخاري في"الأدب المفرد"من طريق أبي الضحى قال"قال شتير بن شكل لمسروق: حدث يا أبا عائشة وأصدقك. قال: هل سمعت عبد الله بن مسعود يقول:"ما في القرآن آية أجمع لحلال وحرام وأمر ونهي من هذه الآية"إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى"؟ قال نعم"وسنده صحيح."
-من الملاحظ أن الآية ورد فيها تفصيلًا للمعروف الذي أمرنا الله تعالى بأن نمارسه ونأمر به وندعوا إليه، وكذلك بها تفصيلًا للمنكر الذي نهانا الله تعالى عن إتيانه وأمرنا أن ننهى عنه ونحذر منه.
* المعروف: كل ما عرفه الشرع وأقره من العبادات القولية والفعلية، الظاهرة، والباطنة.
* والمنكر: كل ما أنكره الشرع ومنعه من المعاصي القولية والفعلية، الظاهرة، والباطنة.
-ومن الملاحظ حذف المفعول في قوله تعالى (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) وذلك للدلالة على العموم، ليشمل كل مُخاطب دون استثناء لأحد فالكل مَعْنِي بالخطاب حسب عِلمه وحسب ما خوَّله الله تعالى به. وكذلك للتركيز على الفعل والفاعل، وعدم الانشغال بالمفعول.
-ومن الملاحظ أيضًا أن الأمر جاء بصيغة المضارع للاستمرارية في كل زمان ومكان. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائم إلى قيام الساعة.
-ومن الملاحظ كذلك تقديم"العدل"على"الإحسان"؛ لأن"العدل"كله واجب، بينما"الإحسان"واجب ومندوب، والواجب أولى.
* ولأهمية الأمر بالمعروف نجد أن كلمة (المعروف) قد وردت في القرآن الكريم 21 مرة"بصيغة المعرفة"وهو (المعروف) الذي أقره الشرع وليس ما تعارف عليه الناس، فقد يتعارف الناس على معروف لا يقره الشرع. كما وردت كلمة (معروف) 18 مرة"بصيغة النكرة"لتتوافق مع المناسبة التي ذكرت فيها في ضوء ما أقره الشرع وما لم يصطدم بقاعدة شرعية.
* ولأهمية النهي عن المنكر نجد أن كلمة (المنكر) قد وردت في القرآن الكريم 14 مرة"بصيغة المعرفة"وهو (المنكر) الذي حدده الشرع وليس ما تعارف الناس على نكرانه فقد يتعارف الناس على منكر ما ولم ينكره الشرع.