وقال: رجل يكون جميع الملوك لا يقر لهم قرار من هيبته، وتكون هذه حالته، ولكنك يا عمر عدلت فنمت وملكنا يجور، فلا جرم أنه لا يزال ساهرًا خائفًا"."
-ومما لا شك فيه أن هناك في حياة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه من مواقف العدل الكثير والكثير مما لا يتسع المقام لذكرها.
8 -جاء في شرح البخاري للسفيري رحمه الله وهو يعدد مناقب أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قيل:"كان له عبد وكان عثمان قد مسك أذنه يومًا وعركها فقال له: إني كنت قد عركت أذنك فاقتص مني، فأخذ بأذنه فقال له: اشدد يا حبذا قصاص في الدنيا لا قصاص في الآخرة".
9 -عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:"بعثَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى اليمنِ فانتهينا إلى قومٍ قد بَنَوا زُبْيَةً للأسدِ فبينما هم كذلك يتدافعون إذ سقَط رجلٌ فتعلق بآخرَ ثم تعلق رجلٌ بآخرَ حتى صاروا فيها أربعةً فجرَحهم الأسدُ فانتَدَب له رجلٌ بحَربةٍ فقتله وماتُوا منْ جِراحتِهم كلُّهم فقاموا أولياءُ الأولِ إلى أولياءِ الآخَرِ فأخرجوا السلاحَ ليقتَتِلوا فأتاهم عليٌّ رضي الله عنه على تفيئة ذلك فقال: تُريدون أنْ تَقَاتَلوا ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حيٌّ إني أقضي بينَكم قضاءً إنْ رَضِيتم فهو القضاءُ وإلا حجَز بعضُكم عنْ بعضٍ حتى تَأتوا النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيكون هو الذي يَقضي بينَكم فمَنْ عدا بعدَ ذلك فلا حَقَّ له اجمَعوا منْ قبائلِ الذين حضَروا البئرَ ربُعَ الديةِ وثلُثَ الديةِ ونصفَ الديةِ والديةَ كاملةً فللأولِ الربُعُ لأنه هلك مَنْ فوقَه وللثاني ثلُثُ الديةِ وللثالثِ نصفُ الديةِ فأبَوا أنْ يرضَوا فأتوا النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهو عندَ مقامِ إبراهيمَ فقَصُّوا عليه القصةَ فقال: أنا أقضي بينكم واحتَبَى فقال رجلٌ منَ القومِ: إنَّ عليًّا قضى فينا فقَصُّوا عليه القصةَ فأجازه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ" (رواه أحمد) .
10 -جاء في سنن البيهقي ومصنف عبد الرزاق وغيرهما أنه:"رُفِع إلى عمر امرأة ولدت لستة أشهر، فأراد عمر أن يرجمها، فجاءت أختها إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقالت: إن عمر يرجم أختي فأنشدك الله إن كنت تعلم أن لها عُذرًا لما أخبرتني به، فقال علي: إن لها عذرًا، فكبرت تكبيرة سمعها عمر ومن عنده. فانطلقت إلى عمر فقالت: إن عليًا زعم أن لأختي عذرًا، فأرسل عمر إلى علي ما عذرها؟ قال: إن الله عز وجل يقول: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين، وقال: وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا، فالحمل ستة أشهر، والفصل أربعة وعشرون شهرًا، قال: فخلى عمر سبيلها، قال: ثم إنها ولدت بعد ذلك لستة أشهر".
-هذه مجرد أمثلة فقط إنما حياة الصحابة والتابعين بها من المواقف في هذا الجانب أكثر من أن تُحصى.
-خامسًا: أقوال في منظومة العدل في الإسلام: لعظم صفة العدل لم تخلوا الأدبيات الإسلامية من الأقوال والحكم والمأثورات التي وإن دلت على شيء فإنما تدل على انشغال هذه الأمة بهذه التبعة العظيمة وحرصها على هذه الصفة.
1 -قال ابن تيمية رحمه الله:"وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإنْ لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إِنَّ الله يقيم الدولة العادلة وإنْ كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإنْ كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام. وذلك أنَّ العدل نظام كلِّ شيء، فإذا أُقيم أمر الدنيا بعدلٍ قامت، وإنْ لم يكن لصاحبها في الآخرة من خَلاق، ومتى لم تَقُمْ بعدلٍ لم تَقُمْ، وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يُجزى به في الآخِرة".