بوادر الاستبداد بالرأي قالوا قال عثمان رضي الله عنه:"لأفعلن هذا الأمر وإن رغمت أنوف". فقال بعض الحاضرين (أشهد الله أن أنفي أول راغم) "."
18 -جاء في سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي رحمه الله:"وعلى هذا النهج سار التابعون أيضًا فقد روي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه لما ولي المدينة جمع عشرةً من فقهائها، وهم سادة الفقهاء في ذلك الزمان، وقال لهم:"إني دعوتكم لأمر تؤجرون عليه ونكون فيه أعوانًا على الحق، ما أريد أن أقطع أمرًا إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم"."
19 -جاء في تاريخ الملوك والأمراء للإمام الطبري رحمه الله:"ومن أبرز الأمثلة التي تُدلل على رُقي مبدأ الشورى وتفوقه على غيره من الآليات والوسائل المستحدثة في تولية الحاكم، ما لمسناه في واقع الخلفاء الراشدين، فعندما طُعن عمر بن الخطاب وقارب الأجل، سأله الصحابة أن يترك عهدًا لمن سيخلفه فرفض، بيد أنه جعل البيعة في ستة من صحابة رسول الله، وهم الذين أجمعت الأمة على صلاحهم والالتفاف حولهم، ومن ثَمَّ قرَّر عمر أن يوقظ أمر الشورى بين المسلمين، فقال:"عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله: إنهم من أهل الجنة. سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل منهم؛ ولست مدخله؛ ولكن الستَّة: عليٌّ وعثمان ابنا عبد مناف، وعبد الرحمن وسعد خالا رسول الله، والزبير بن العوام حواريُّ رسول الله وابن عمته، وطلحة الخير بن عبيد الله؛ فليختاروا منهم رجلًا؛ فإذا وَلَّوا واليًا فأحسنوا مؤازرته وأعينوه، إن ائتَمَن أحدًا منكم فليؤدِّ إليه أمانته ..."."
-وقال الإمام الطبري أيضًا: وبعدما فرغ المسلمون من دفن عمر بن الخطاب، اجتمع مجلس الشورى، وفي داخل هذا المجلس المحدَّد عددًا بستة أفراد، وزمنًا بثلاثة أيام، استطاع المجتمعون أن يفرغوا من الأمر بسلام، حيث تمكَّنوا من تولية عثمان بن عفان، وكان أولُ المبايعين المنافسَ الأول علي بن أبي طالب، وهذا دليل على رُقي نظام الشورى الإسلامي القائم على احترام حرية الأمة في الاختيار؛ فأهل المدينة قد وافقوا على ترشيح عمر بن الخطاب لمن عَيَّنهم لأمر الخلافة، ولم يكن هذا الترشيح من عمر قسرًا للأمة وإجبارًا لها، ثم وافق أعضاء الهيئة الاستشارية، وهم في ذات الوقت المرشحون أنفسهم على استخلاف أحدهم وهو عثمان، ولم تكن موافقتهم وحدها هي المعتمد في تنصيب عثمان، بل استشير في هذا الأمر كلّ من كان بالمدينة من ساكنيها، أو من زوارها، أو القادمين إليها من أمراء الأجناد وأشراف الناس"."
20 -عن أبي وائلٍ قال:"قيل لعليِّ بنِ أبي طالبٍ ألا تستخلفُ علينا؟"فقال:"ما استخلف رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأستخلفُ ولكن إن يُرِدِ اللهُ بالناسِ خيرًا فسيجمعُهم بعدي على خيرِهم كما جمعهم بعد نبيِّهم على خيرِهم" (رواه ابن كثير بإسناد جيد) .
-إن ما تم ذكره ماهو إلا غيض من فيض وقليل من كثير ولو تتبعنا مواقف الشورى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لأجهدنا اليراع ولعز المداد ولحار العقل في أبعاد هذه المدرسة التي لا تضارعها أخرى وهذا المنهج الذي أجهد من حاول سبر أغواره.
خامسًا: الخاتمة: إن بركة الشورى لها ثمار طيبة حيث أنها تؤصل صفة الإيمان في المجتمع، وبتطبيقها يكتمل بناء المجتمع الإسلامي.