الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلَّا على الظالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين. وبعد: فإنها رحلة طويلة وشاقة مع هذا السِّفْرِ المبارك، وهي فرش قراءة حمزة الزيات براوييه خلف بن هشام وخلَّاد بن خالد رحمهم الله جميعًا، حيث وجدت متاعب جمة عند فرشها، وذلك لغرض ضبطها كما كان يقرأ بها، حيث لم أجد إلَّا القليل ممن فرش المصحف كله بهذه القراءة، وقد تواصلت مع مشايخ لهم اعتبار بهذا العلم الفذ، حتى كان هذا الانجاز الرائع والحمد لله رب العالمين.
وفرش المصحف على القراءات من باب التيسير والتسهيل على المبتدئين الراغبين في تناول القراءات بصورة سهلة ويسيرة ولأجل إغنائهم عن التقصي والبحث.
والقراءة رغم صعوبتها، ورغم كراهة الإمام أحمد وغيره بقرائتها إلَّا أنها قراءة مرتبطة بسند الصحابيين علي بن أبي طالب، وابن مسعود رضي الله عنهما برسول الله صلى الله عليه وسلم، وسبب كراهتهم لها إنما يعود إلى ما يتعلق بالإفراط والتكلف، وقد دافع عنه كثير من العلماء، أمثال تلميذه محمد بن الهيثم الكوفي ومجاهد وابن الجزري، قال ابن الجزري: (وأما ما ذكره عن عبد الله بن إدريس وأحمد بن حنبل من كراهة قراءة حمزة، فإن ذلك محمول على قراءة من سمع منه ناقلًا عن حمزة، وما آفة الأخبار إلَّا رواتها! وقد كان حمزة يكره هذا التكلف والإفراط، وينهى عنه) [1] .
وكذلك في تبرئة تلميذه محمد بن الهيثم النخعي الكوفي (رحمه الله تعالى) ، وذلك بما نقله عن صلاته خلف حمزة، فقد صلى خلف شيخه حمزة صلاة جهرية، فكان لا يمد في الصلاة ذلك المد الشديد، ولا يهمز الهمز الشديد [2] . فهو بهذا يبرئه من الإفراط والتكلف، كيف لا وهو ينهى عن هذا كما قال محمد بن الهيثم: (وقد كان حمزة يكره هذا وينهى عنه) ، قال ابن الجزري: (أما كراهته الإفراط من ذلك فقد روينا عنه من طرف أنه كان يقول لمن يفرط عليه في المد والهمز لا تفعل أما علمت أن ما كان فوق البياض فهو برص وما كان فوق الجعودة فهو قطط وما كان فوق القراءة فليس بقراءة) [3] .
ومع هذا فقد يسرها ربنا جلَّ في علاه فكانت بهذا الشكل الميسر، فقد استخدمت عبارات سهلة وبسيطة، وقد بينت في بداية كتابنا (الألفاظ المهمة وماذا نعني بها) .
(1) ينظر: غاية النهاية 1/ 261.
(2) المصدر نفسه 2/ 274.
(3) ينظر: غاية النهاية 1/ 261.