الصفحة 191 من 344

المعاصرة»، فهو كما قدمه هويدي، باحث في العلوم الاجتماعية، رأس لسنوات المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية قبل أن يصبح وزيرا للشؤون الاجتماعية. كان خليفة قد حذر من مخاطر «الثراء الفاجر الذي في تباهيه بثرائه يخرج أسوأ ما في البشر ويهدد السلام الاجتماعي (81) . ويسأل خليفة «أي شيطان ذلك الذي يدفع الشخص الثري لاستعراض ثرائه من خلال استهلاك ترفي يوجع البطون الفارغة؟ إن ذلك السلوك إنما يتطلب التخلي عن أي ماله علاقة بالقلب والعقل والدين والمثل الأخلاقية» . وهو ليس فقط يضر الذين يقومون به وإنما هو يمثل عدوانا على المحرومين الذين هم إخوة في الوطنية».

وقد كانت هنالك في الماضي وقائع تكشف عن طبيعة مختلفة لأغنياء مصر؛ ففي سلسلة مهمة من المقالات عن الأوقاف، ذكر هويدي حالات عدة كانت فيها الأسر المصرية الثرية تدعم العمل التعليمي والاجتماعي والديني على نطاق واسع. وتساءل هويدي أين ذهب أولئك الأغنياء؟ (82) فبدلا من ذلك الكرم الإنساني صار أثرياء اليوم في مصر يرتكبون ذلك النوع من العدوان الذي حذر منه خليفة .. فحفلات العرس التي تقام في فنادق الخمس نجوم في القاهرة والإسكندرية تضع معيار ذلك الاستعراض الفاضح واللامسؤول، وفي العقد الأخير من القرن العشرين، امتلأت صفحات المجتمع في الصحف بذلك الاستعراض المتفاخر بالثراء، وامتلأت مجلات الفضائح بصور الأثرياء والأقوياء، وراح الصحفيون ينقلون المزايدة في مسألة حفلات العرس التي كانت يوما ما تتسم في تقاليدها بالبساطة، وعادة ما تصل تکاليف حفل العرس في الفنادق الكبرى إلى ما يقرب من مليون ونصف المليون من الجنيهات، وصارت تلك الحفلات تمثل 40% من دخل تلك الفنادق، وتصل تكلفة بعض حفلات العرس إلى 4 ملايين جنيه مصري، ويتم جلب كل المأكولات والمشروبات من أوروبا، وأحيانا في طائرات خاصة. ويقول هويدي إن ذلك قد يكون جائزا في بعض المجتمعات الثرية، ولكن ليس في مصر، حيث نصف سكانها من الفقراء، بل يعيش ربع هؤلاء السكان تحت خط الفقر وحوالي 15 مليونا منهم يعيشون على حد الكفاف.

وتتضح التداعيات الاجتماعية لتلك الظواهر حين يعقد هويدي المقارنة بين الإسراف في حفلات العرس تلك، ومحنة المصريين الفقراء الذين يلجؤون لبيع دمهم بل وأجزاء من أجسادهم من أجل توفير متطلبات المعيشة، فقد نقلت صحيفة قاهرية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت