هذه الفئة أول من أرسل المنظمين في صفوفها، إلى الأراضي المحتلة بغية تأسيس
الاشتراكية الصهيونية» طبقا لتصوراتها. أما الفئة الثالثة، فكثيرا ما تشبه ميول حزب العمال البريطاني الذي يتسم بكثرة المنتمين إلى صفوفه. وتبقى الفئة الرابعة التي تتميز بامتلاكها الأموال الضخمة والعمل على إرسالها إلى «إسرائيل» .
في الحقيقة، إن الأحزاب الصهيونية نشأت وتأسست في أوروبا الوسطى قبل أن تصل إلى فرنسا. لكن جذور ظهور الحركة الصهيونية بشكلها العفوي، إن صح التعبير، تعود إلى قضية دريفوس الشهيرة Affaire Dreyfus التي اتهم فيها الضابط اليهودي الفرنسي بالتجسس لمصلحة أعداء فرنسا 1894 قبل أن تتضح براءته لاحقا. كانت عملية خفض رتبته العسكرية الجذر الأساسي في ظهور وتطور نظرية هيرتزل الصهيونية كما قلنا سابقا. ولم يكن لهذه النظرية صدى عميق في أول الأمر، إلا أن عملية رد اعتبار دريفوس في العام 1906 دفع اليهود الفرنسيين إلى إثارة مسألة الاندماج Integration والعودة إلى الوراء لفحص جميع تفاصيل تاريخهم السابق.
عادة عندما تنشأ الأحزاب وتتكون تحمل ضمنا وعلانية روح المنافسة من أجل الحصول على السلطة السياسية ولكن ليست هذه هي الحال مع الأحزاب الصهيونية في فرنسا، إن معظم هذه الأحزاب نشأت في أوروبا الشرقية وجاءت منها، وتركيبها في الأساس لم يكن يختلف عن تركيب الأحزاب الاعتيادية. أما مشروعاتها السياسية فتركزت في السعي لخلق دولة منعزلة. وهذه هي النقطة الوحيدة التي لم تختلف في شأنها التيارات الصهيونية المتنوعة كافة. ولم تبر هذه الأحزاب وجودها وكيانها في فرنسا إلا في إطار السعي إلى إيجاد الدولة اليهودية. والأحزاب الصهيونية عاشت ولا تزال تناقضا صارخا بين الدعوة إلى الهجرة وتأسيس الدولة اليهودية وبين المساهمة في حياة الجالية اليهودية التي تعتمد على الممارسة الدينية الطائفية.
لم تستطع الصهيونية حتى هذه اللحظة أن توفق بين هذين الهدفين المتعارضين: الدولة الصهيونية والجالية اليهودية وتزداد هذه التناقضات وتخفت نبرة الصهيونية كلما سعت الجالية اليهودية إلى الذوبان والتماثل الثقافي في سلم التنظيم الاجتماعي.