لقد تبين من العرض السابق أن الحواس هي أبطال أدوات المعرفة، ولذلك يشترك فيها الحيوان وبعض النبات مع الانسان في ادراك البيئة المادية من حوله. ثم لم يكن مفر من العقل كأداة أرقي في المعرفة حتى انتهت به رؤيته للمادة الى حافة الأثير عندما خرج عن كل صفة معروفة من صفات المادة ولم يبق الا حسبة رياضية لها دلالة كبرى وهي أن الانسان ليس من صنع المادة لأن المصنوع لا يحيط بصانعه، والإنسان قد أحاط بصور المادة وخرج بها الى دائرة أوسع منها هي دائرة الأثير .. بل الى عمليات رياضية فكرية في قدرة الإنسان أن يحتويها، وهذا لا يتأتى الا اذا كان في طبيعة الإنسان شيء يعلو على مكونات المادة .. شي، مفارق لكل خصائصها المعروفة .. واذ تحولت المادة الى حسبة رياضية يحتويها الفكر، فان ذلك يجعل المنطق القائل بأن المادة أسبق في الوجود على الفكر في مأزق علمي شديد التناقض مع معطيات العلم الجديد. وفي مأزق أشد حرجا مع مسلمات الماركسية التي قامت على أساس صحة هذا الافتراض وما ارتبط به بعد ذلك من مصالح سياسية كبرى، وما أشد محنة العالم حين يقف حائرا بين دواعي السياسة وأمانة العلم •
* وهذه الحيرة أوضح ما تكون على مدار کتاب «أسس الماركسية اللينينية» الذي اشترك في اخراجه 29 عالما سوفياتيا س نة 1993. وفي موضوعنا هذا من علاقة الفكر بالمادة يأتون بما ينقض المادة الجدلية من أساسها، ولم يكن بد من هذا المصير .. فنجدهم يقولون: «أن النشاط الذهني أو الفكر خاصة مميزة للمادة ولكنها ليست شكلا من أشكال المادة. وفي المسالة الأساسية في الفلسفة يطرح الفكر كضد للمادة، والروح کشد للطبيعة، فالمادة هي أي شيء يوجد خارج العقل ولا يتوقف عليه، وبالتالي يكون من الخطأ الجسيم اعتبار الفكر جزءا من المادة، وفي الوقت الحالي يعتبر التوحيد بين الفكر والمادة من مفاهيم المادة المنحطة»
اذن لقد وصف العلماء السوفيات أنفسهم الفكر المادي للقرن التاسع عشر الذي قامت الماركسية على أساسه، والذي يسوى بين المادة والفكر