فأخبرني أن الشخص الحر کي هو الذي تشغله قضايا الطبقة الكادحة عن الاهتمام بشئون نفسه .. و بهذا فهم يتسابقون لا شعوريا على صفة الحركية والجماهيرية، و يخشى النظيف منهم أن يتهم بالميول البرجوازية والتطلعات الطبقية: (و هنا استغرقنا معا في ضحك طويل لما جرنا اليه الحديث من تعليقات متناثرة) .. هات ما عندك يا فنان؟.
قال: هنا يسير الطابور في مجموعات تتحدث وتناقش وتضحك .. و خطا هم سريعة .. وهناك يفتقرون الى هذا النشاط، فأغلبهم جلوس بجوار الحوائط الا القليل فيسير فرادى، ولا تقع عيناك على أكثر من اثنين يمشيان معا مشية جنائزية.
قلت: هذه لك.
قال: انظر الى رؤوسهم المطرقة والى كثرة المدخنين عندهم وندرتهم عندنا(وتذكرت عند هذه الملاحظة قصة السجائر معهم وطافت بذهني مشاهد كثيرة عن حالتهم البائسة التي كانت تدعو هم الى التنقيب الجماعي عن الأعقاب المتخلفة من سجائر السجانة .. و کيف فوجئنا مرة بمجموعة منهم خرجت من أرض الطابور، وانقضت کا لطيور الجارحة على فريسة
تکو موا فوق بعضهم محدثين غبرة شديدة .. والسبب عقب سيجار القي به أحد الجانة وكانوا يترقبون لحظة القائه .. وتذكرت كيف كان يتسابق بعضهم على العمل نوباتجيا أمام باب ضابط العنبر من أجل عيون أعقاب السجائر، وكيف كان بعضهم يجد متنفسا لأزمته الدخانية في نباتات الصحراء البرية وخاصة نبات السكران، وكيف كان الحاحهم الشديد علينا يجعلنا نشفق عليه فنحضرها على مضض لمن تفصح ملامح وجهه وعيناه المغرورقتان عن المعاناة الشديدة .. وكيف كان الأخ البنان يعقد مسابقة في القصة القصيرة الفورية بالعربية الفصحى لمجموعة من الصحفيين منهم يكون نصيب الفائز سيجارة واحدة تكون عنده کنزا ثمينا .. وتحققت لأول مرة في حياتي أن السجائر تذل النفوس الى هذا الحد .. واليوم يدخنون باطمئنان بعد أن سمح لهم بالمقصف).