فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 384

الروحية كل منهما يتأثر ويؤثر في الآخر وان ظلت الروح في مركز القيادة. * ثم تأتى درجة أكبر يكون فيها الانسان والكون كله في مقام العبودية لله الذي تفضل بالخلق وشمل بالعناية والرحمة جميع خلقه، والذي كرم الانسان وأعطاه قانونه پيده لمن شاء أن يتقدم أو يتأخر.

وتعمل الهداية الربانية على جمع ذلك كله في دائرة الحب، لا في دائرة التسلط والجبروت، وبذلك تشيع العاطفة بين جميع جوانب الوجود: انسه وجنه، حيوانه وثباته وجماده، و توجه كل ذلك لله بالحمد والتسبيح .. وما الصلاة في حياة المؤمنين الا صلة مستمرة بواهب النعم ومعراج لأرواحهم الى موئلها .. ومن كان كذلك قويت العاطفة بينه وبين ما بثه المنعم في الكون، حتى أن رابطته بها لتستضيء هي الأخرى من ص لته بمن فطره وفطرها، فهي إما أن تكون له خيرا وبركة وأما أن تكون عليه و بالا .. وقد أدرك المؤمنون بقلوبهم من عمق هذه العلاقة ما صار مضرب الأمثال: فهذا أحد الصالحين يقول: ما عصيت الله الا وجدت أثر ذلك على دابتي .. وهذه امرأة تعذب في هرة، وهذا رجل يغفر له لسقيه كلبا يلهث، وتلك نملة تقول: «يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم .. » ، وهذا هدهد يدرك قصة قوم على غير سبيل المؤمنين .. وعندما مر الرسول عليه الصلاة والسلام بأحد قال: هذا جبل يحبنا ونحبه .. فهذا لا شك أمر عجيب، ولكنه أمر طبيعي في حياة المؤمن الذي آمن بالمصدر و برب الخلائق جميعا، فتشكلت من ثم نظرته للأشياء وتکيفت علاقته بها بالحب .. «وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو .. ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة الا يعلمها. ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب و يابس الا في كتاب مبين» .. وحول هذا المعنى کتب الشهيد سيد قطب تحت عنوان الشمول في «خصائص التصور، يقول: «تتمثل خاصية الشمول التي يتسم بها هذا التصور في صور شتي: احدى هذه الصور وأكبرها رد هذا الوجود كله بنشأته ابتداء، وحرکته بعد نشأته، وكل انبثاقه فيه، وكل تحور وكل تغير وكل تطور والهيمنة عليه وتدبيره وتصريفه وتنسيقه، الى ارادة الذات الإلهية السرمدية الأزلية الأبدية المطلقة. هذه الذات المريدة القادرة، المطلقة المشيئة، المبدعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت