فهرس الكتاب

الصفحة 360 من 384

مفهوم السعادة:

بما سبق يتضح أن السعادة ليست في اشباع الرغبات وان كان تحقيقها واجبا ومسلما لغيرها من الاحتياجات الانسانية، تلك الاحتياجات التي تبدأ باحتياجات الجسم وتكتمل باحتياجات الروح المتمثلة في الدوران في مداره الحق والخير الموصلين الى الله تعالى، حيث تسكن النفس البشرية و تخلو من القلق والصراع المتخلف من ضياع مركز التوازن حين تجد الفطرة فاطرها وتعرف هذه الجزيرة الصغيرة - كما يقول اقبال - أنها موصولة بحياة أوسع .. وقد أصاب الامام الجليل ابن القيم في تصوير هذه الخاتمة النفسية في قوله: «ففى القلب شعث لا يلمه الا الاقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها الا الأنس به في خلوته، وفيه حزن لا يذهبه الا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه الا الاجتماع عليه والفرار منه اليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها الا الرضى بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك الى وقت لقائه .. وفيه طلب شديد لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبه .. وفيه فاقة لا يسدها الا محبته والأنابة اليه ودوام ذكره وصدق الاخلاص له، ولو أعطى الدنيا وما فيها لم تسد تلك الخلة أبدا 000 فالتفرق يوقع وحشة الحجاب، وألمه أشد من ألم العذاب» (1)

وأن يكون للسعادة مفهوم بعد ذلك الكلام القيم فهي في ازالة الشعث وازالة الوحشة ونفي الحزن ونفى القلق واطفاء نيران الحسرات وسد الفاقة ... وقد أرجع ابن القيم سبب ذلك كله الى وقوع التفرق أى البعد عن الله وفي عبارة بسيطة نقول: أن السعادة هي في تحقيق الانسان لقانونه حيث يبلغ عندئذ الاستقرار وتصبح نفسه بحق نفسا مطمئنة. بيئة الاختيار:

لقد بان لنا ضرورة أن تكون بيئة الرسالات السماوية هي بيئة الاختيار في جميع ميادين التعامل، حتى يستطيع الانسان المكلف أن يسأل وهو يزاول حقوقه وواجباته عن اختيار مدارات الحق والخير فيها، فيحقق قانونه ويكرم

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مدارج السالكين ج 3 ص 164.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت