هذه، أي انمحيره المكان السياسي، وهو ما يسميه العقيد القذافي الذي يمثل بدوره الصورة الكاريكاتورية لهذا النموذج التطهيرا، يتوقف العنف عن گونه وسيله نلجأ إليها لإعادة تصحيح النظام السياسي، فيصبح بالاحرى طريقة عمل نظام جديد. وهو نظام لم يثر حتى الآن سوى القليل من اهتمام المحللين المنشغلين أكثر من اللازم بالحديث عن أسطورة الدولة المندمجة جدة مع المجتمع والمتآلفة معه، وقلة هم المفكرون العرب الذين بدؤوا بإدراج هذا المفهوم في نطاق تفكيرهم وتأملاتهم، لأنهم إنما كانوا من أوائل ضحاياه
من بين هؤلاء المفكرين خصص ياسين الحافظ بعض الصفحات لما بعزفه بطريقة غريبة بالنظام الشخبوطي (6) ، أنطلاقا من بضعة معطيات تحليلية مأخوذة من تجربته السياسية الخاصة، فبالنسبة إلى هذا المؤلف السوري، الذي رحل باكرا جدا (1978) ، نقوم اليوم بالذات في المشرق وعلى أنقاض الدولة - الأمة، إثر كارثة حزيران/يونيو 1967 وانهيار الناصرية، علاقات قوى جديدة قائمة على أشكال حكم ذات تبعية ما قبل سياسية: الدولة - القبيلة، الدولة - الطائفة ... إلخ. لن نعود إلى الكلام عن كيفية تطبيق ذلك النظام في سورية، فقد سبق لنا أن تناولنا هذا الموضوع في مقالة نشرت في مجلة تحت عنوان «الدولة المتوحشة (7) . وسط هذا المكان الشخبوطي وهذه الصحراء السياسية، وعوضا عن الحزب، هناك إصرار على الدور الكبير الذي تؤديه العصابة في السلطة أو الجماعة وهي الكلمة المفتاحية في الواقع السوري الجديد (8) ، أو أيضا النوموس إن أردنا استعادة مصطلحات دلوز وغاناري في فقرة حول البداوة، مما يبقينا في المجال
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(6) في إشارة إلى الشيخ شخبرط، امير ابر ظبي الذي استطاع - بالقوة والاستبداد - حتى منتصف الستينيات، الحفاظ على إمارته من صدمة الحداثة؛ أنظر: انظر: ياسين الحافظ، الهزيمة والأيديولوجية المهزومة (بيروت: دار الطليعة، 1979) ، ص 182
(8) تفهم هذا المصطلح بشكل اساس، على كل مستوى من تراثية التحليل الاجتماعي، مقارنة مع خصم، أو خصوم، يعمل على المستوى نفسه وفق القاعدة المعروفة جيدة: «انا واخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب،. ففي استخدام مرن نية يمكن اللجماعة، أن تنتدب بكل سهولة بعض الأفراد ممن يبدون ولاة مطلقة لواحد من ضباط المخابرات او نواة تمركز داخل فريق السلطة، أو ابعة الطائفة العلوية او النية، على مستوى العلاقات بين الطرائف رحني، في حالات محددة، بين السوريين في مجموعهم، ككتلة في الحيز الإقليمي والدولي.