الناس بعضهم ببعض، فيدمر الفضاء والمساحات بينهم. ومقارنة بما يحدث داخل دائرة الرعب الحديدية، تبدو صحراء الطغيان ضمانة للحرية من حيث إنها لا تزال تشكل نوع من المكان (*) . وفي هذا عودة إذا إلى مفهوم الطغيان الذي أراد ليو شتراوس أن يقوم بالدعاية، العلمية له، والذي - بداهه - ينطبق جيدة على الحالة السورية. بمعنى أن العلاقة بين الدولة والمجتمع في سورية محكومة - بالأحرى - بالوحشية والعنف الأعمى أكثر منها بالرعب»، تماما كما تحدده أرندت، وهو ما قد يتوافق بهذا الشكل مع
حالة منتهية من البناء السياسي. بمعنى آخر، والدولة السورية لا تملك وسائل بناء النظام الشمولي الذي ليس هو إلا صورة أو نظاما تستخدمه هذه الدولة لإضفاء الشرعية على وجودها، مع حزب قائد والمنظمات شعبية مهمتها تشكيل المجتمع وفقا لنموذج ديمقراطيات دول أوروبا الشرقية. ومن المؤكد أن سورية مقارنة بهذه الدول تبدو بلد «حريات» (4) في تطبيق للقاعدة التي وضعتها أرندت. لكن، في المقابل، يراود المواطن السوري شعور غامض بأن الدولة بوساطة «كتائبها» ، بمختلف مسمياتها، تملك عليه حق الحياة والموت. وهذا واقع ثابت ليس فيه شك، يقع في قلب إشكالية علاقة الدولة مع المجتمع في سورية، وهو ما سيوفر علينا بعض التحليلات.
فلنعد إلى صورة «الصحراء التي تضعها حته أرندت جنبا إلى جنب مع الطغيان؛ فقد ذكرث، ودائما في مجال الرموز والاستعارة، ما يتصوره دلوز وغاثاري" (5) ساحة ملساء (espace lisse) تنتج عن استئصال النظام السياسي (فلا شيء يحدث على السطح سوى الطغيان) ، مقارنة بالساحة المحررة، أي تلك التي تعج بالبناء السياسي وبحركة المجتمع المدني؛ وهي الساحة المنتجة اللتمايزات» ، كما يحلو لعلماء السياسة أن يقولوا. في صميم عملية التدمير"
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(*) لتقول حنة أرندت: إن إلغاء حدود القوانين بين البشر يعادل حجب الحريات الإنسانية وتدمير الحرية كواقع سياسي حي، إن الفضاء بين التام، مثلما هو محدد بالقوانين، هو فضاء الحرية الحيوي، والرعب الشمولي يستخدم هذه العملية القديمة التي كان يلجأ إليها الطغيان، ولكنه يدمر أيضا وفي الوقت نفسه تلك الصحراء من الخوف والرية التي يخلفها الطغيان وراءه من دون قوانين أو حدود من المؤكد أن هذا الفضاء لم يعد المكان الحيوي لنمو الحرية، ولكنه لا يزال يمنح بعض المكان للحركات والأعمال التي يوحي بها الخوف والارتياب لدى السكان.