من المؤكد أن الأمر بالنسبة إلى السلطة ما هو إلا تصد لانتفاضة بقيادة الإخوان المسلمين؛ ولكن كيف نفسر حجم القمع الرهيب وتدمير المركز التاريخي للمدينة الذي أصبح أثرا بعد عين (tabula rasa) ؟
رأينا في مقالتنا المشار إليها أعلاه (12) أن الجماعة الحاكمة كانت توظف الناس من المستويات كافة: الطائفية، والمدينة الريف، والمدني/ العسكري، وبقايا السياسة (سلطة البعث) ... وعلينا البحث على المستويين الأولين عن تفسير لمأساة حماة. ليس هناك أدنى شك في الواقع من أن العلويين، وهم الأقلية الطائفية التي تمثل اليوم 10 في المئة من سكان سورية مقابل في المئة من السنة، لديهم بعض الحسابات القديمة يريدون تصفيتها مع مدينة حماة التي تمثل في نظرهم ماضيهم كفلاحين استغلهم واضطهدهم على مدى قرون كبار الملاك المدينيين (السنة) . يعيد منير م. موسي، وهو طالب قدم رسالة دكتوراه باللغة الفرنسية حول الموضوع، إلى أذهاننا أنه قبل الحرب العالمية الأولى لم يكن بوسع العلوي أن يمر في شوارع حماة لأنه سيتعرض للشتيمة وإلقاء المياه الآسنة عليه والضرب، وأحيانا القتل» (13) . وفي زمن أقرب إلينا، يذكر كيف تم سنة 1903 قمع ثورة للفلاحين في قرى العلويين: «كان آل الكيلاني والبرازي من حماة، ومعهم وكلاء أعمالهم وخدمهم وبمساعدة من رجال الدرك، يضطهدون الفلاحين بطريقة وحشية ويضربونهم ويربطونهم إلى أذيال الأحصنة ويرمون أولادهم عراة على الثلج، كما تم طرد العديد منهم» (14) . ونذكر هنا أن حي الكيلانية بالذات هو الحي الذي تمر عن بكرة أبيه في أحداث شباط/ فبراير 1982. في تحليله لوصول حزب البعث إلى السلطة سنة 1963 كتب إريك رولو مقالته التي عنونها بحق: «ثأر الأريافه (15) . من المؤكد أنه لم يكن ليتصور بأية صورة سيكون هذا الثأر، ومع ذلك هناك جمل تأخذ مع تقدم الزمن بعدة خاصة جدا مثل الجملة الآتية المأخوذة من كتيب بعض المنطلقات النظرية للمؤتمر القومي السادس (المنعقد في تشرين الأول/ أكتوبر 1965) وهو نص أساس في
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(12) انظر في هذا الكتاب، الفصل الأول.
(14) المصدر نفسه، ص 94.