الصفحة 202 من 352

أو إنها على الأقل غير قادرة على القيام بمسؤولية شؤون الدولة. غير أن سورية والغرب كلاهما يعتمد هذا التفسير، وهذه نقطة في مصلحة السلطة؛ إذ بوسعها بذلك أن تقدم نفسها بوصفها المؤتمن الوحيد على العقلانية. والأمر ليس كذلك البتة؛ ويكفي لإثبات ذلك الاطلاع على برنامج الثورة الإسلامية في سورية، وهو بيان يشمل مبادئ غير قابلة للتحقيق لكنه يبقى مع ذلك برنامج محکم حقيقي، فهو يسعى إلى تغطية كامل مجالات السياسة العقلانية مثلما يعرفها ابن خلدون النظام عادل يهدف، باستناده إلى العقل البشري وحده، إلى تحقيق السعادة الأرضية للجميع، ويضمن السلام للمحكومين ودوام السلطة للحكام (6) . ففي الفكر الخلدوني، الذي يعكس تماما رمزية السلطة في الإسلام، يتعارض هذا النظام، الذي يحتل مكانا وسيطة، في آن معا، مع قطب السياسة الدينية المؤسسة على الشريعة) - وهي مثالية لا يمكن بلوغها مثلما رأينا - ومع قطب «الملك الطبيعي» (أي الاستبداد الصرف) حيث الهيمنة قائمة على أساس من العواطف والشهوة والقوة (7) وتستغل لأجل رفاهية المستبد وحده دون أي اعتبار لسعادة الآخر أو لمستقبله هو، و «الثورة الإسلامية عندما تستهدف المستوى الوسط، أي مستوى العقلانية، لا تفعل شيئا سوى أنها تحتل مكانة خالية. والواقع أنه عندما وقفت الدولة الحديثة الليبرالية والإصلاحية ووريثة «النهضة العربية» للقرن التاسع عشر والحركة الاستعمارية الأوروبية عند ذلك المستوى المتوسط نفسه لم يكن بوسع الأصولية أن تنتقد فيها سوى أنها دولة مسلمين فقط وليست دولة إسلامية (المستوى المثالي) (8) . لكن ما يحدث اليوم هو أن مشروع التحديث السياسي قد أدى بكل بساطة إلى تكريس ما يطلق عليه عبد الله العروي اسم «دولة السلطان» (أي المستوى الاستبدادي) .

تلك حقيقة أول من يعانيها المحكومون» بطبيعة الحال الذين لا يعلمون من و الأمالي.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(8) في الانتخابات التشريعية لسنة 1954، وهو أكثر استفتاء ديمقراطي عرفته البلاد، لم يحصل الإخوان المسلمون سوى على مقعد واحد، حازه مصطفى السباعي عن مدينة دمشق، والملاحظ أن الحركة تزداد نشاطا كلما ضعفت درجة الانفتاح في النظام السياسي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت