الصفحة 204 من 352

حتى أنهم يشاركون في بناء دولتهم، ولربما لو عرفوا لكان لهم في ذلك عزاء، وإن كانت دولة استبدادية متنورة، وهذا الذي لا يزال معظم المثقفين الغربيين يعتقدون به. الواقع أن رفعت الأسد لم يحفظ عن ستالين سوى «الأسلوب» ؛ إنه نوع من التطبيق المبسط والساذج للفلسفة الهيغلية، وما «دولته) سوي حجة لتقسيم المجتمع بأكمله إلى مربعات باستخدام جماعة تنتقي أفرادها وفقا المعايير مختلفة: طائفية (علويون) ، ووظيفية (عساکر) ، وموالون وتحالفات ... إلخ. وعليه يمكننا أن نتساءل، ومن دون الخوض في التناقضات، إن لم يكن

السلفي» (9) هو نفسه ذاك الممسك بزمام السلطة، وفي هذه الحالة من الواضح أن الصراع الحالي لم يعد يندرج - مثلما يتم تقديمه عموما - تحت بند الصراع بين «اليمين» و «اليساره، وبين «الرجعية والتقدمية، أو حتى الاشتراكية» ، ولكن بين الملك السياسي والملك الطبيعي وفق تعريف ابن خلدون لهذه الألفاظ كما مر معنا. وفي المحصلة، تلك هي النتيجة التي توصل إليها جمال الأتاسي في النص الذي سنورده أدناه، إذ يطلق فيه رئيس المعارضة غير الدينية الناصرية) - أو ما تبقى منها - نداء يائسة لإنقاذ الأهم، ألا وهو النظام السياسي، ومن ورائه، الوحدة الوطنية.

اليوم أكثر من أي وقت مضى ...

إن كانت الظروف قد اجتمعت وشكلت بيئة مناسبة للقوى التي تدفعنا في طريق الهمجية، سواء كانت من فعل الدولة أو من فعل من يقولون إنهم يناضلون ضدها ...

وإن ظهرت السلفية من جديد في تعارض کامل مع روح عصرنا ...

وإن كانت تنهار من الطرف الثاني أشكال حداثية خداعة يملكها بكليتها، علاوة على ذلك، البرابرة الجدد الذين يكدسون الثروات والسلطات مستخفين بكل قاعدة أو قانون، ويتحركون بدافع من عصبيتهم (10) وغيرها من الغرائز البدائية، ولا يربطهم أي رابط بحياة هذا الشعب ...

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(9) السلفي هو من يدعو إلى العودة إلى أصول الإسلام. والمقصود بالسلفية حركة الإصلاح التي قامت في مصر في القرن التاسع عشر مع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده

(10) المفهوم الأساس لفكر ابن خلدون، الذي يترجم عموما بصيغة «روح العصبية، التي تشير إلى الطائفة نفسها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت