طرف كان، وجاهزيتهم للتعامل مع أي قوة أجنبية تخدم بقاءهم، والمراهنة على قدرتهم على خداع الدول والمتاجرة بقضية التطرف، واختلاقها إذا لزم الأمر، ومن ضمن ذلك التلاعب بالحركات الإسلامية واستثمار خوف الدول الكبرى من الإرهاب واستخدامه كوسيلة لإعادة الاعتبار لحكم الاستثناء والإقصاء، ما يحصل اليوم هو تماما ما حصل بالأمس من قتل وإبادة ودمار وتهجير وتشريد، كل ما هنالك أن ما جرى منذ أربعة عقود على نطاق مدينة حماة، يجري اليوم على نطاق سورية بأكملها وبعنف منفلت أكبر، فتتحول المجزرة في حماة في الثمانينيات إلى حرب إبادة جماعية في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين.
لذلك، في أكثر من جانب، يفضح هذا الكتاب سياسة الأسد الذي امتهن القتل والكذب طريقة للحكم، ويشكل وثيقة اتهام فعلية ضد نظام كان ولا يزال المنتج الرئيس للعنف الخارج عن القانون، والموزع له في سورية والعالم، والموظف لنتائجه داخل البلاد وخارجها ...
إذا كنا نحتفي اليوم بميشيل سورا الباحث من خلال إعادة نشر هذا النص الذي استبق الأحداث في تحليلاته واستنتاجاته، فذلك لأنه نجح في أن يكشف لنا عن العلة الرئيسة لهذا النظام وأصل فساده وعنفه، والخراب الشامل الذي قاد إليه المجتمع والدولة اللتين أطبق عليهما، وهو النظام الذي بقي، بالنسبة إلى معادلته الكبرى، هو ذاته من دون تغيير على الرغم مما طرأ عليه من تبدلات. وهذه المعادلة هي حکم القوة التي جعلت من السلطة عدوة للشعب وحولت الدولة إلى أداة القهره، بدل أن تكون مركز تنظيم شؤونه وتجاوز تناقضاته وحل مشاكله. هذا ما أدرکه سورا، بنظره الثاقب، وجعله يكتشف قصور المفاهيم والنماذج المعرفية السائدة في وقته، وهو ما دفعه إلى ترك مكتبه في مركز البحث والذهاب إلى الميدان والاقتراب ما أمكن من موضوعه، والتفاعل معه وتحس فرادته وأصالته، على الرغم من المخاطر الجاثمة والتهديدات، وهذا ما جعله يتلمس مناهج جديدة، في البحث في مجتمعات الشرق، تتجاوز ما كان سائدة في زمنه من التركيز على تحليل الخطابات وتفكيك الأيديولوجيات والأفكار والتبارات المتضاربة، ويكتشف أنه، في ما وراء التصور السائد لمظاهر التقدم التاريخي العالمي