الشامل، الثابت وفي الطريق الواحد المرسوم، توجد نماذج وتشکيلات سياسية واجتماعية هي تعبير عن مآزق وخراجات ودمامل ومهار قاتلة لا يدرك حقيقتها إلا من يعيشها من الداخل، ويدفع ثمن اقترابه منها. ومع ذلك، يخطئ من يعتقد أن حديث سورا عن العصبية يعني إثارة الطائفية. فليس لهذا المفهوم عند الباحث سورا أهمية إلا بما هو وسيلة لتحليل آلية تكوين السلطة وممارستها، حيث تشكل العصبية، بوصفها منبعا للعنف البدائي الخارج عن القانون، السبيل الذي لا غنى عنه لإقامة سلطة هي نفسها خارجة على الدولة وقائمة فوقها. ومن المنطقي أن يتضمن هذا العنف المنتج خارج إطار القانون، والمؤسس لسلطة مفوضة للدولة وسالبة السيادتها، في داخله، وهو ثمرة تضامن آلي، أي لاعقلاني، خصائص ونقائص السلطة التي ولدها، وأن يحول دون بناء دولة هي بالتعريف سلطة قانون وعقل، أي رشد ...
قبل أن يسافر في رحلته الأخيرة إلى لبنان، ليلقى مصرعه غيلة، على يد جلاوزته، جلسنا معا، نحن شلة من أصدقائه السوريين، كما جرت العادة كلما عاد من رحلاته إلى لبنان. لم يكن قلقة، بالعكس كان واثقة من نفسه وفرحة بعودته، ومتمسكا بالمضي قدما في مشروعه لسبر غور المخاض الاجتماعي والسياسي العنيف الذي اكتشفه في سورية ولبنان، كما لو أنه وقع على كنز. کان ميشيل واحدة منا، لا يجمعنا معه توافق الرؤية والتحليل فحسب وإنما، أهم من ذلك، الالتزام الأخلاقي تجاه شعوب تلك المنطقة التي لم تسعفها مدنيتها وحسها الحضاري الرفيع في تجنب محن الطغيان والحروب والاعتداءات الداخلية والخارجية. في هذا السياق كتب سورة نصوصه المتضمنة في هذا الكتاب ونشرت في الوقت نفسه نصوصي حول الحرب الأهلية في سورية و تدمير المجتمع السوري، ثم المحنة العربية: الدولة ضد الأمة. هذا الالتزام الأخلاقي المشترك تجاه من يعانون الاستبداد ويدفعون أكلافه الباهظة، وما يعنيه من رفض التسليم الابتزاز القوة، هو الذي قادنا إلى التصادم مع سلطة سماها ميشيل سورا عن حق متوحشة، كما فعل ويفعل ملايين السوريين منذ ست سنوات في كل مدينة وقرية، بعد أن حرموا من أي خيار. كان هامش المبادرة بالنسبة إلى جميع هؤلاء قد أعدم إلى درجة لم يعد من الممكن