الصفحة 288 من 352

الديمقراطية كما تفهمها الرجعية التي لا ترى فيها سوى حرية التجارة والاستغلال.

أما فيما يتعلق بوضع حد للاغتيالات الطائفية فهو أمر لا يقل شأنا عن وضع حد للفساد الذي عم البلاد، فإن لم نديها ونقض عليها فهذا يعني أننا نشجع الطائفية بأشكالها كافة.

وليس للطائفية في الواقع سوى هدف واحد هو التغطية على الطبيعة الحقيقية - السياسية والطبقية - للصراع الجاري في سورية؛ إنها الدليل على صعود الفكر اليميني والرجعية (3) . أسطورة البناء الوطني

المراجع حول هذا النوع من التحليل كثيرة ومتعددة ونجدها عند كل تيارات المعارضة «الحداثية» ؛ إذ يأتي إنكار الطائفية في مقدمة خطاب الطبقة السياسية السورية بجميع اتجاهاتها، ليس فقط من وجهة نظر الأخلاق السياسية، بل أيضا من وجهة نظر الواقع الاجتماعي؛ لأنه منذ القرن التاسع عشر والنموذج نفسه عن البناء الوطني والتحديث يضع تخلي الجميع عن انتماءاتهم الطائفية شرطة لوحدة الكل ولمساواتهم داخل المجتمع المدني. فموضوع الوحدة هذا هو ما يحدد الأيديولوجية العربية المعاصرة بكاملها، وفي سورية بشكل خاص؛ أيديولوجية ما فتئت ترى المجتمع ضمن حقيقة جوهرية كلية، أي من وجهة نظر عالم الاجتماع دوركايم البحتة. وفي المقابل، تعد الانقسامات العامودية ذات الصبغة الطائفية أو المناطقية أو غيرها مواضيع محرمة لا يجوز الخوض فيها.

ومع ذلك، تمكنت الحرب اللبنانية من أن تهز هذا الإطار من التحليل الاجتماعي الراسخ الذي لم يكن يرقى إليه الشك لدى بعض المثقفين، فحاول بعضهم بجرأة كبيرة أن يظهروا آلية عمل نظام سياسي همه الوحيد من وراء اللعب على الساحة هو الحفاظ على تماسكه الطائفي الخاص به، عام على أن يفقد الآخر ذلك التماسك تحت ثقل أيديولوجية البناء الوطني.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(3) حركة الاتحاد الشيوعي في سورية (متصف تموز/ يوليو 1980) ، ص 18 - 19 (كتيب في 48 صفحة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت