فالأكثرية» هي الخاسر دوما في تلك اللعبة بالنظر إلى تكوينها إن استطعنا القول، إذ تقدم نفسها على أنها لا تحتوي على عصبية، بينما تعمل «الطائفة» الدينية هنا عمل الحزب السياسي، كأداة للاستيلاء على السلطة. تفسر لنا هذه الرؤية للحيز الديني والحيز السياسي الوضع على الأقل بقدر ما تفسره الفرضية التي تربط هذين الحزين بالحيز الاقتصادي، ضمن سلسلة ثابتة ومستمرة من المسببات. وأخيرا، ألسنا هنا، نوعا ما، من جديد أمام النظام الإسلامي القديم الذي يرجع في فهمه لجميع متناقضات المجتمع وحركته إلى الحيز السياسي / الديني؟ ربما كان في هذه العودة إفلاس للدولة الحديثة والنظام الأحزاب من حيث وظيفتها كأداة للتعبير عن التنظيم الاجتماعي. من هنا جاءت رؤية المثقفين الجديدة المفهوم الاستبداد»، فهو ليس استبدادة على المستوى السياسي فقط، ومن ثم إصرارهم على تقديم الديمقراطية) كشرط لاستمرارية المجتمع وبقائه؛ لا أقل ولا أكثر. نرى هنا كل ما في الوضع من تناقض، وهذا الانشقاق الجديد الذي يرتسم داخل طبقة المفكرين: فبينما حافظ بعض على الخطاب السياسي المتمحور حول الطبقات، وهو، كما رأينا، الخطاب الذي تستخدمه الدولة وليس الهدف من ورائه في المحصلة سوى حجب الحيز الاجتماعي، قرر بعض آخر بكل بساطة الخوض في مسألة الطائفية ليطرحوا مشكلة السلطة الطرح الصحيح وكما هو مفترض أن تطرح والقيام بالتفكير مليا حول مجتمعهم الذي يعيشون فيه استنادا إلى مبدأ أن الحيز السياسي يبني انطلاقا من الحيز الاجتماعي. والأولوية بالنسبة إلى هؤلاء من الآن فصاعدا أن يطرحوا الأسئلة حول أشكال التعايش الاجتماعي، ومن ثم أن يتوقفوا عن اعتبار مشكلة الاندماج محلول كما تفعل السلطة لتغطية ممارساتها.
النص الآتي حول صعود التيار الإسلامي كتبه مثقف سوري (4) وتظهر فيه جيدة تلك التساؤلات الجديدة خارج الإطار التقليدي اللخطاب التقدمي»، خطاب السلطة ولغة العلوم الاجتماعية السائدة:
هكذا تتحول القضية الثقافية إلى قضية قومية لا تهدد فقط استقرار الدول السياسي القائم على نكران متبادل تلذاتية، ولكنها تهدد أكثر من ذلك
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(4) برهان غليون، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات (بيروت: دار الطليعة، 1979) ، ص 10 - 12.