الصفحة 292 من 352

وجود الجماعة ذاته كمجتمع سياسي موحد وقومي. فالوحدة تبقى هنا شكلية ما دامت تقوم على اتفاق سلبي هو في الحقيقة اتفاق على باطل، مضمونه تخلي الجماعة عن كل هوية قومية تجاه الجماعات القومية الخارجية الأخرى، الأمر الذي يعني في العصر الراهن الاستلاب للغرب وتقديس ثقافته ... فالأقليات الصغيرة التي تشعر أنها مهددة من جراء تطور العودة الكثيفة لدى الأغلبية إلى الذاتية الإسلامية الموسومة دائما بالسلفية، مدمرة بذلك المكتسبات العصرية العلمانية للدولة الحديثة، بما في ذلك المساواة بالحقوق وحرية الاعتقاد. هذه الأقليات بقدر تزايد شعورها بالتمايز الثقافي والديني يزداد تمسكها على صعيد القول والكلمة بالمعتقدية العلمانوية التي تنادي بنزع الدين عن الدولة وعن كل ما يمس المشاكل المشتركة للجماعة ... إذن، لا تبدو الدولة العلمانية في العالم الثالث دولة مساواة بين الأديان إلا لأنها تغلي، بهذه المساواة الشكلية التي لم تعد تؤدي أي دور سياسي في تحديد مكانة الجماعات والأفراد اجتماعية، اللامساواة الحقيقية بين الطبقات والاحتكار المطلق الحرية الرأي والتعبير والتنظيم، أي المساواة الفاعلة في المجتمع الحديث التي تترتب عليها نتائج سياسية مباشرة، وهكذا تبدو العلمانية هنا، التي تعاني تثبتة مرضية على مسألة الصراع بين الدين والدولة الموروثة عن القرون الوسطى الأوروبية، أيديولوجية تبرير ضرب حرية الاعتقاد الأساسية ووسيلة للتغطية على انعدام هذه الحرية في الواقع والممارسة. وبقدر ما كانت الاعتقادية العلمانية الأوروبية وسيلة لتحرير العقل وفرض حرية التعبير، جاءت العلمانية العربية لتنقذ الاستبداد العصري، أي جاءت کي تقدم إلى مصادرة حرية الرأي والتعبير الاجتماعي والطبقي غطاء شرعية من المساواة الشكلية بين الطوائف. ومن أجل ذلك بقيت عقيدة مستلبة تجاه الدولة، مأخوذة بتقديس السلطة والقوة. إن الخوف من اكتساح الإسلام للدولة هو المحرك الأساسي لسياستها. وهكذا يتحول الإسلام بسرعة في ذهنها إلى عقيدة ركودية رجعية لا تنتشر إلا بسبب جهل العامة المستلبة والظلامية، التي تعمل في ذلك على تخليد جهلها ... وإليكم وجهة نظر أخرى حول مسألة العلمانية نفسها والبناء الوطني لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت