مختلف عن جهاز الدولة، إن الجيش بأصوله البدوية يعمل ضد الدولة». إن أخذنا هذا المصطلح الأخير بمعنى أوسع من معناه الضيق الذي عموما ما يختصر إليه، أي البدو والبداوة، وفهمناه بالنظر إلى الفرد ذي الأصول الفلاحية القادم من الأرياف ومن منحدرات الجبال ومن السهول الممتدة حول المدينة، باختصار كل من اليس من المدينة، (16) لوجدنا هنا مفهوم ابن خلدون عن البادية في مواجهة المدينة أي الحضارة، وهو تقسيم بشكل مستوى آخر لقراءة الواقع السوري ولفهم الأزمة في سورية. وغالبا ما يهمل هذا الأمر على الرغم من أهميته الأساسية.
علينا أن نعلم جيدا في الواقع أن الحراك الذي يهز سورية منذ ما يقرب من أربعة أعوام هو تقريبا حراك مديني بامتياز، مثلما أظهرته الإضرابات والمظاهرات التي قد تنظيمها في عيد «الثورة» السابع عشر، في 8 آذار/ مارس 1980، في جميع المدن السورية باستثناء دمشق. كما أظهرته أيضا فترات القمع الكبيرة التي شهدتها حلب في ربيع سنة 1980، وحماة في نيسان/ أبريل 1981 وبخاصة في شباط/ فبراير 1982. بين قوسين، هناك ربما استثناءات للقاعدة عندما يهيمن المستوى الطائفي على المستويات الأخرى كافة: مثلما هو الحال في منطقة الغاب مثلا، والغاب سهل في شرق جبال العلويين سكانه من العلويين والسنة والمسيحيين تسود بينهم في اغلب الأحيان نزاعات منذ قرون؛ أو ? کمثال آخر - في اللاذقية حيث قامت في أيلول/ سبتمبر سنة 1979 إضرابات عنيفة كسرت وحدة المدينة وقسمتها إلى أحياء، فصار حي الصليبة الستي في مواجهة حي الرمل العلوي (17) . وحتى اخر في المدينة وق
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(17) من المؤكد أنه يمكن لحالة اللاذقية أن تطرح إشكا"حول مدى صلاحية التحليل المعروض هنا، وحول رؤيته لصورة المدينة، الواقع أن النموذج المثالي للمدينة العربية في المنطقة هو المدينة المسلمة السنية باكثرية واسعة مع أقلية مسيحية، ملكانين أو روم، وهما طائفتان مدينتان تاريخية، وهو الحال في حلب وحمص وحماة وطرابلس. فيما يتعلق باللاذقية، أختلط هذا الترتيب بعد أن أخذ العلويون يستوطنون في المدينة منذ عهد الانتداب الفرنسي. واليوم كذلك لا يزال الاستيطان الطائفي أفضل وسيلة في يد السلطة لكسر مقاومة المدينة، مثلما هو الحال في حمص مثلا وفي حماة حيث سبق الحديث عن مشاريع إعمارية الموجهة في الأحياء المدمرة. لن نتوقف عند حالة دمشق، عاصمة الدولة، التي تشوهها، التطور الطبيعي، للمجتمع. مع ذلك، فإن محاولة تطبيق هذه السياسة الممنهجة في شطر المدن، مثلما هو الحال في بيروت الشرقية والغربية، لا تزال بعيدة عن أن تحقق أية نتائج، وعلينا ألا نتسرع في الاستغناء عن نموذج المدينة العربية المثالية"