في هذه الحالة الأخيرة ربما كان الأمر نتاج تحريضات وقحة من فعل السلطة ...
تقود هذا الحراك، في تشكيلته الحديثة، نقابات المهن الحرة، مثل نقابة المهندسين والأطباء والصيادلة ولا سيما نقابة المحامين، إلى أن تم حل هذه النقابات في نيسان/ أبريل سنة 1980، والتصفية الجسدية لبعض الشخصيات الفاعلة في تلك المهن. حتى هذه المرحلة كان يمكن لقاعدة الاحتجاجات أن تتوقف عند رفع حالة الطوارئ المعمول بها منذ فجر الثورة» في 8 آذار/ مارس 1963، وفي إعادة الحريات الديمقراطية الأساسية. من ناحية أخرى، وفي علاقة مع الإخوان المسلمين، كان تجار السوق يمثلون النظام المديني التقليدي، كانوا المجتمع المدني وكانوا يريدون لأنفسهم أن يكونوا المعقل الأخير الذي لا يزال يقاوم هجمات «الدولة الحديثة» . في المقابل، هذه الدولة - أو الدولة المنكرة والمنفية مثلما رأينا أعلاه. نجدها من الآن وصاعدة أقلية دخيلة على النظام المديني، إنها نخبة جديدة حاكمة وصلت إلى السلطة مع «الثورة» عبر قناة الجيش والحزب، ذا أصول ريفية متميزة جدا: علويون ودروز وإسماعيليون (18) ، ولكن فيها أيضا أفراد من السنة من منطقة حوران والفرات (وهي مستويات تحليلية غير متطابقة سبق لنا الكلام عليها) .
تستند هذه الحالة في مخيلة حركة المعارضة للنظام الحاكم - وعلى نطاق واسع - إلى ما يقعده النظام الإسلامي حول العلاقات بين المدينة والريف، ومن هنا لجأنا إلى ابن خلدون لفائدته العلمية في بحثنا؛ إذ يعرف المدينة على أنها مركز الحضارة»، أي مركز الإنتاج المادي والفكري. ولكن الحضارة، بالتحديد، بصفتها نتاج مجتمع الحضوي» (بحسب دوركايم) لا تتوافق مع الخيرية العصبية التي وحدها تمنح السلطة وبوسعها بالتالي أن تضمن التجانس الاجتماعي. ومن ثم فالمدينة واقعة تحت سلطة «الجماعة) والعصبية)؛ ففي مقابل أمنها وازدهارها تدفع المدينة إتاوة للمحاربين البدو وهم من يطلق عليهم اسم النوموس tnomos ، استشهادة بمقولة دلوز
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(18) وهو ما أطلق عليه الشارع السوري اسم الحكومة عدسة، في تلاعب بالكلمات وتجميع للأحرف الأولى من كل طائفة.