الصفحة 74 من 352

وغاناري) (19) تاركة لهم مهمة حكمها وحمايتها. يقول غلنر إن المدينة

عاجزة سياسياه، وهذا كلام صحيح جدا (20) . واعتماد المدينة الكلي على هذا المستوى من العصبية، المسيطرة توازيه تلك الوظيفة الأيديولوجية التي تحدثنا عنها للتو كمكان لإنتاج الدعوة السياسية والدينية، أو بعبارة أخرى الإنتاج شرعية لسلطة الحكام. وفي الحالة التي تخصنا هنا، نعلم تماما أي دور أدته لدعوة القومية العربية والاشتراكية في استيلاء النوموس، العلوي على مقاليد المجتمع.

وإثباتا لهذه الفرضية نشير إلى قلة عدد الأعضاء القادمين من المدينة في الأحزاب السياسية السورية، ولا سيما على مستوى الكوادر الحزبية الحاكمة. وعليه يذكر سامي الجندي (21) ، وهو من أوائل المناضلين البعثيين، أن البعث قد تطور وازدهر منذ البداية في الأرياف وأنه ظل هزيلا وضعيفة في المدن، ولا سيما في دمشق. ثم يضيف بلهجة إلقاء الحكم: «كانت حتمية العمل السياسي الجدي تقضي بترسيخ الحزب في دمشق والسيطرة على قواها الشعبية قبل الانتقال إلى مدى آخر. ولكن الحزب كان مستعجلا يبحث عن غنيمة سهلة والعمل في دمشق عسير. إنها مدينة التاريخ العربي لا سلس قيادها إلا للعاشق على قدر فتنتها ... خطيئة البعث المميتة أنه شتت قواه

حينما كان ينبغي عليه أن يرگزها أولا في دمشق ... لم يدرس البعث بناة دمشق الاجتماعي الذي تكون خلال آلاف السنين فبات إرثا عضوية. قنع البعثيون أن دمشق لا يمكن أن تكون بعثية فأقاموا بينهم وبينها جدارة من المستحيل». وفي وثيقة مطبوعة على الآلة الكاتبة نشرها حزب البعث العربي الديمقراطي الاشتراكي بعد ذلك بعشر سنوات (في 23 شباط/ فبراير) ، ولا تزال تمثل نقدأ ذاتية لتجربة الحزب التاريخية، يمكننا أن نقرأ بالطريقة نفسها أن الفشل يمكن تفسيره، مع غيره من الأمور، بأن البعث لم يتوطد أبدا بشكل جيد في المدينة وأن الكوادر الإدارية للحزب كانوا دائما غرباء

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(19) الأمر يتعلق هنا أيضا بتأويل مجازي الهدف منه نهم أفضل للأزمة، ويجب أن يؤخذ مصطلح البداوة بالمعنى المشار إليه سابقا.

(21) سامي الجندي، البعث (بيروت: دار النهار، 1949) ، ص 328 - 39

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت