فالحزب لم يفشل فقط كبنية إدارية في المهمة الموكلة إليه سنة 1979 - 1980 بالتصدي لموجة الاحتجاجات الشعبية، بل ترك لنفسه هو أن تحمله هذه الموجة؛ فقد أدت ميليشيا البعث دورة أكيدة في مظاهرات 8 آذار/ مارس التي تكلمنا عنها أعلاه ... إذ قادت أحبان المظاهرات الاحتجاجية وهاجمت الشعب المحلية للحزب، وهو ما جعل جريدة النذير، لسان الحال السري للإخوان المسلمين في سورية، تتعاطف مع هذا الاستلاب المأساوي، الذي يعيشه البعث وتشفق عليه.
منذ ذلك الوقت صدر قانون أمن الحزب» لدعم جهاز القمع الداخلي وتعزيزه، وفيه تهديد بأحكام ثقيلة لكل من يرتد عن الحزب أو يخرج عليه. حتى إنه، وفي نطاق الحرص الشديد نفسه على ترابط الحزب وتماسكه، كانت ثمة دراسة المشروع يتعلق بإعادة هيكلة الحزب في خلايا مستقلة قوامها خمسة أعضاء، وذلك بعد حصار حماة في شباط/ فبراير 1982، ولكن العودة إلى بعث ما قبل الاستيلاء على السلطة أمر وهمي بحت وغير قابل للتحقيق، لأن ذلك يفترض خلق ما يقارب 30,000 خلية تناسبة مع ما مجموعه 100 , 000 عضو، دون حسبان الأنصار، وهم - في تعريفهم - ليسوا عناصر عاملة كاملة بل هم في مرحلة الاختبار. وكنتيجة لهذا التفكك لم تعد ورقة الحزب کافية، وإن كانت لا تزال ضرورية، لحرق المراحل في المسيرة الوظيفية للفرد والتعلق بالجماعة المسيطرة.
وعلى مستوى المجتمع بأكمله بظهر فشل النظام السياسي تماما خلال المشاركات الانتخابية التي لم تجتذب سوى 4 في المئة من الناخبين، مثلما حدث في الانتخابات التشريعية سنة 1977 وسنة 1982، وذلك على الرغم من اللجوء إلى عدة أساليب التشجيع المشاركة الانتخابية، مثل ثقب بطاقات الهوية بعد الإدلاء بورقة التصويت (*) 4 في المئة أي ما يعادل
400 , 000 ناخب، وهو ما يدعو إلى الاعتقاد - مقارنة بملاك الحزب الحاكم - أن الأمر يتعلق بعملية تجري في دائرة مغلقة، من الطبقة السياسية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(*) (ثقب بطاقة الهوية الشخصية بعد التصويت: إجراء قمعي الهدف منه تخويف المواطن ولا سيما الموظف، فمن يضبط بعد الانتخابات وبطاقته غير مثقوبة يعني أنه لم يمارس (واجبه الانتخابي مما قد يجر عليه المساءلة والعقوبة. كان هذا الإجراء ولايزال يدفع الكثيرين إلى ممارسة اواجبهم الوطني، بكل عفوية I.