الصفحة 82 من 352

وأخيرة، ألا يجب علينا في المشرق اليوم، حيث الأحزاب تعمل کالعصابات والدول كالمنظمات السياسية، أن نقرأ السياسية بين الصقور والحمائم، وبين اليمين واليسار وبين الرجعي والثوري ... إلخ (25) على مستوى المنطقة في مجملها؟ مع أن هذا المستوى نفسه - بنسبة ما - ليس سوى تكملة للأنظمة السياسية والقومية، فهو غالبا ما يبرز الانتماءات نفسها ويتحرك وفقا للآليات نفسها، مما لا يمت بأية صلة اللدولة الحديثة.

لقد ماتت أيديولوجية البناء القومي في المشرق بموت عبد الناصر، واللعبة السياسية في المنطقة اليوم تحكمها أحزاب متخفية وراء قناع الدولة، تتناحر فيما بينها في العبادة نفسها للأفكار المطلقة. إنه «الحق، ضد القانون، والأبطال» ضد «الآباء المسالمين» ، وعلي ضد معاوية. بعد سنة واحدة بالضبط على موت عبد الناصر كتب إلياس مرقص، المفكر السوري الماركسي المعروف جيدة من المحيط إلى الخليج، ويعرف عن نفسه بأنه

رسول المعرفة»، مقالة نقدية لاذعة ضد نظرية العفوية في الثورة الفلسطينية واليسار العربي، قال فيها: «شهدنا ثورة فلسطينية في شرق الأردن، ويمكن أن نشهد بعد عشرين سنة ثورة الدمشقيين في حمص، وثورة الجنوب اللبناني في بيروت وطرابلس، وثورة السوريين في العراق (26) ، وثورة سكان الضفة الغربية في نجد، وثورة الجميع على الجميع في الساحة العربية الشاملة، هذا الصعود الثوري» هو أصعود لمشروع التوسع الصهيوني»» (27) . وقد كان مرقص متفائلا بكلامه ذاك، إذ لم تلزمنا عشرون سنة ولا حتى عشر سنوات للوصول إلى هذه الحال.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(25) نذكر هنا يقول ماكس فيير الذي يقول إن النشاط السياسي يعرف في المقام الأول بأنه يتم داخل حدود أرضية معينة. لكن المشكلة في المشرق هي، بالتأكيد، في تعيين هذه الحدود بما أن الإنتاج الأيديولوجي واللعبة السياسية هما اعربيان، قبل أي شيء.

(26) إنها موجودة الآن، مجتمعة حول التنظيم القومي، أي البعث العراقي، التابع لشبلي العيسمي وسامي الحناوي (في السجن في دمشق) وبالتأكيد ميشيل عفلق، ولها بالطبع إذاعة اسمها السورية الحرة)، إنما فات إلياس مرقص أن يذكر ثورة العراقيين في دمشق.

(27) إلياس مرقص، المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن (بيروت: دار الحقيقة، 1971) ، ص 111

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت