استقلال أجزاء ضخمة من غربي روسيا، متضمنة الأجزاء الشرقية من بولندا، ومعظم أراضي أوكرانيا، وكورلاند Courland (أو معظم ما يعرف اليوم بلاتفيا) ، وأحدثت الشروط الألمانية جدلا داخل القيادة البولشفية عما إذا كان قبول"السلام البائس"، كما اقترح لينين، خيارا أفضل من استمرار الحرب، طبقا لموقف اليسار الشيوعي، أو اتباع سياسة اللا حرب واللا سلم، بحسب اقتراح تروتسكي Trotsky. وقد كان لكل موقف معتقدات واضحة بخصوص قيمة حماية الوضع القائم وبشأن القيمة الخاصة بتعزيز أهداف الثورة، التي كانت ستغير بشكل كبير أجزاء من الوضع الدولي القائم. وبالفعل، وافقت روسيا على الشروط الألمانية و قبلت واحدة من أصعب التسويات السلمية في التاريخ الحديث. لكن لماذا توافق قوة عظمى أن تنازل بهذا القدر الكبير؟، ولماذا لم تسع لإيجاد بدائل لقبول الطلبات؟. يمكن تفهم الجدل داخل تدرج السلطة البولشيفية حول معاهدت برست - لينوفسك من خلال نظريتنا العامة، وتوضح المناقشات الكثير من جوانب نموذجنا.
يمكن عرض الموقف السياسي والعسكري السابق على المعاهدة بإيجاز سريع. فلو نحينا ألمانيا جانبا، فريما لم تكن ثمة دولة أكثر تأثرا بتجربة الحرب العالمية الأولى من روسيا. فبعد دخول الحرب تأييدا لصربيا في عام 1914 م، قتل حوالي 1. 7 مليون جندي روسي في المعارك، وهذا العدد أكبر من نظيره لأي دولة أخرى، فيما عدا ألمانيا التي فقدت 1?8 مليون قتيل في القتال. كما أصيب خمسة ملايين جندي روسي آخرون بجروح. وبلغ عدد القتلى المدنيين حوالي مليونين، الأغلبية منهم كان نتيجة للمرض والجوع (2) . وفي مارس 1917 م، تمت الإطاحة بالقيصر الروسي نيكولاس الثاني Tsar Nicholas ll ، وانتهت السلالة الحاكمة الأسرة رومانوف التي قادت روسيا منذ عام 1913 م. وبحلول نوفمبر، فرض حزب البولشفيك الشيوعي درجة معتدلة من السيطرة، وبعد دمج وتعزيز السلطة في إطار حرب أهلية دامية وطويلة، ظل في السلطة حتى عام 1991 م.
وبعد الإطاحة بالقيصر، واجهت الحكومة المؤقتة بقيادة كيرنيسكي Kencesky موقفا سياسيا صعبا للغاية على الصعيد الداخلي، وموقفا عسكريا يزداد سوء بشكل سريع، بسبب المجالس حديثة النشأة الخاصة بالعمال والجنود أي الوحدات التنظيمية المسماة بالسوفيتات Soviet، والتي نازعت الحكومة على السلطة. ومع ذلك، قررت حكومة کيرئيسكي أن تلتزم بما رأت أنه يمثل التزامات دولية تجاه الحلفاء الغربيين وأن تستمر في جهود الحرب الروسية. حيث قامت بشن هجوم ناجح جزئيا ضد القوات الألمانية في يوليو ومع ذلك سرعان ما تحول ذلك الهجوم إلى هزيمة منكرة.
وفي نفس الوقت قررت ألمانيا أن الحرب في الغرب لا يمكن الانتصار فيها دون عملية ضبط كبيرة للموقف العسكري على الجهة الشرقية، تبنت ألمانيا خطة تشليفن"schliefen المضادة. تلك الخطة التي استخدمت عام 1914 م لبدء الحرب، كانت تهدف إلى تجنب الحرب على جبهتين عن طريق هزيمة فرنسا أولا ثم تحريك القوات"