إقليم كوسوفو في الفترة 1998 - 1999 م. فقد أرادت الولايات المتحدة، ومعظم دول الغرب، أن تجلي يوغسلافيا قواتها وموظفيها من كوسوفو. وقد كانت تلك القوات تعمل بنشاط على إجلاء أبناء كوسوفو عن منازلهم، مما خلف معاناة إنسائية هائلة. وعلاوة على ذلك، أصبح الوضع السياسي في البلقان مقلقا بشكل متزايد لأطراف خارج الإقليم، حيث تعاطفت ألبانيا واليونان وتركيا والكثير من الدول الإسلامية الأخرى مع مشكلة اللاجئين وبعد مفاوضات مطولة لم يتم التوصل إلى تسوية تحظى بقبول الغرب والولايات المتحدة. وفي النهاية، ولعدم رغبتها في تدهور الموقف بدرجة أكبر، استخدمت الولايات المتحدة القوة في محاولة لتحقيق أهدافها. وبعد حملة من القصف دامت ثمانية وسبعين يوما وافقت يوغوسلافيا على سحب قواتها من كوسوفو. وحققت الولايات المتحدة بالفعل أهدافها بتغيير سياسة يوغوسلافيا، ولكن فقط بعد استخدام القوة. وتتوافق هذه الواقعة مع نظريتنا: إذ يكون من المحتمل بدرجة أكبر أن تستخدم الدول الأقوى القوة العسكرية في محاولة للحصول على ما تريد. وعلى حد تعبيرنا، فإن الدول الأقوى قادرة على إنتاج التغيير بكفاءة أكبر من الدول الأضعف نسبيا.
ولنلاحظ في هذه الحالة، شأن كثير من الحالات، أن استخدام القوة لم يكن هو السياسة الأولى التي تم اختيارها لتحقيق أهداف الغرب. فهو كبديل نتنفيذ أهداف السياسة غالبا ما يكون مكلفا سياسية واقتصادية، كما أنه يصعب تبريره أخلاقيا. وغالبا ما تلجأ الدول إلى قوة السلاح بعد لجوئها إلى سياسات أخرى، من قبيل سياسات أثبتت فشلها أو يتوقع فشلها في تحقيق الغاية المرغوبة. فحتى أدولف هتلر، الذي كان غير متحفظ البتة في استخدام القوة، فضل تحقيق أهدافه من خلال الوساطة بدلا من الاستخدام المباشر للقوة. فقد تحققت بعض أهداف ألمانيا النازية، مثل إعادة تسليح إقليمي الراين Rhineland ، وأنشلوس Anschluss مع النمسا، والحصول على إقليم السوديت"Sudeenland"، دون استخدام مباشر للقوة. وما جعل هذا الاستخدام ضروريا هو المدى المتطرف للمطالب الألمانية. ويجدر بنا أن نوضح أن استخدام القوة كان مكلفا من الناحية السياسية، حتى بالنسبة لهتلر. فعلى سبيل المثال، كان التأييد الشعبي الألماني ضئيلا بالنسبة لغزو بولندا عام 1939 م، الأمر الذي سبب مقاجاة وخيبة أمل كبيرة لهتلر، فقد كان دعم الروح المعنوية للألمان خلال الحرب، حتى عندما كانت الأمور تمضي على نحو جيد بالنسبية لألمانيا، دوما أمرا مهما وواجبا ضروريا من الناحية السياسية. كما كان القادة الألمان يعارضون صراحة استخدام القوة ضد تشيكوسلوفاكيا في عام 1938 م، وكانوا غير متحمسين بخصوص غزو فرنسا في عام 1940 م (4) . ومن ثم، فإن النقطة التي تركز عليها هنا، أن الدول التي ترغب في تغيير بعض جوانب الوضع القائم لا تحتاج للجوء إلى استخدام القوة لتحقيق ذلك؛ وذلك لأن استخدام القوة عمل مكلف، ويجب توفير فوائد ضخمة نسبيا لتبريره. وترتبط هذه الفوائد عموما بالتغيير المرغوب في الوضع القائم.
ومع ذلك، توجد أوقات تكون فيها المبادرة بإثارة صراع عسكري دولي أمر يستهدف الحفاظ على الوضع