مغيرة بعض ملامح الوضع القائم بطريقتها المفضلة. استمرت القوة الأمريكية في توفير فرص لكل من سلوك الحفاظ على الوضع القائم وللسلوك الهادف للتغيير. وقد قدم انهيار الاتحاد السوفيتي الفرصة لكل من هؤلاء الذين ينشدون التغيير والذين يستهدفون الحفاظ على الوضع القائم ليكونوا راضين على الأقل عن بعض من سلوك الولايات المتحدة الدولي، كما تراجع تسييس السياسة الخارجية الذي لوحظ مع نهاية حرب فيتنام. وبالإضافة إلى ذلك، فقد أتاحت القوة التي لا تبارى في مرحلة ما بعد الحرب الباردة للولايات المتحدة أن تتبنى سياسات تنشد التغيير بدرجة لم يسبق لها مثيل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وكما ستناقش لاحقا، فإن السياسة الخارجية الأمريكية منذ مطلع التسعينيات قد تم تصميمها بهدف تحريك جوانب مهمة من معالم المشهد السياسي الدولي ليتوافق مع التفضيلات الأمريكية وقد اخذت هذه الأعمال التي صممت لتحقيق هذه الغاية بشكل منفرد
لكي نوضح نظرية"السلعتين"عملية في هذه الحالة، فعلينا أولا أن نعرض أسس الفهم التقليدي للسياسة الخارجية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية .. وهدفنا في هذا الصدد أن نعرض"الفهم أكثر من كونه الحقيقة لهذه السياسة، لأننا نريد أن نبين كيف أن الإطار التحليلي لنظرية"السلعتين يقدم صورة أكثر تماسكا وأكثر علمية لهذه الحقبة. ونأمل في النهاية أن نكون قد أظهرنا قيمة نظرية"السلعتين"كأداة لتحليل سياسات دولة معينة في ظل ظروف متغيرة.
الرؤية التقليدية
يمكن تلخيص التفسير التقليدي للسياسة الخارجية الأمريكية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ببساطة.
قبعد الحرب مباشرة، وجدت أمريكا نفسها القوة الأعظم في السياسة العالمية. فبينما عاني الخصوم معاناة مريرة، حيث فقد الاتحاد السوفيتي حوالي عشرين مليون نفس، ودمرت اليابان وألمانيا تماما، وكانت بريطانيا محطمة اقتصاديا، خرجت الولايات المتحدة من الحرب معافاة نسبيا (1) . وعلى حد تعبير أحد المراقبين،"بعدد سكان يقدر به 7? من عدد سكان العالم في أواخر الأربعينيات، امتلكت الولايات المتحدة 42 ? من الدخل العالمي، وبلغ نصيبها مقدار النصف من الإنتاج الصناعي العالمي، وأنتج العمال الأمريكيون 57 ? من الإنتاج العالمي للصلب، و 43% من الكهرباء، و 92? من النفط، و 80? من السيارات (2) . (لم تستطع الولايات المتحدة، مع هذه القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية الهائلة، وفي ظل الدمار الهائل الذي لحق بأوروبا واليابان والذي منعهما بشكل مؤقت من الانخراط بشكل کامل في الشؤون الدولية، لم تستطع أن تعيش بارتياح في عزلتها الرائعة ووجدت أنه من الضروري أن تأخذ على عاتقها دورا أكبر في الشؤون العالمية. وفي أعقاب نقاش وطني مكثف، شرعت الولايات المتحدة في الحد من عزلتها التقليدية باتخاذها دورا نشطا في الأمم المتحدة، و بتبنيها سياسة الاحتواء العالمي للاتحاد السوفيتي باعتبارها الإستراتيجية الأساسية لها، وبانضمامها لبعض التحالفات"المعقدة"، وبإرساء وجود دائم للقوات الأمريكية في بلدان"